التخطي إلى المحتوى الرئيسي

STD - الأمراض المنقولة اجتماعيًا!


بدأت الحكاية بمحاولة دخول أحد الأماكن الفخمة التي يبدو أن دخولها يتطلب مؤهلات اجتماعية تفوق تلك المطلوبة لدخول البنك المركزي.

عند الباب، استوقفني «الباونسر»، ذلك الذي يقف على الحدود الفاصلة بين الطبقات الاجتماعية، ويتمتع بسلطات تقديرية قد لا تتوافر لموظف الجوازات في مطار كنيدي. لم يسألني إن كنت أحمل سلاحًا، أو إن كنت أنوي افتعال مشاجرة، أو حتى إن كنت أملك ما يكفي لدفع الحساب. كانت لديه مخاوف أكثر خطورة تتعلق بمستواي الاجتماعي.

طلب الاطلاع على حسابي في إنستجرام، ثم فيسبوك، أو حتى سناب شات، أو أي منصة أخرى يمكن من خلالها التحقق من أنني أنتمي إلى الفئة البشرية المسموح لها بالدخول.

بدا الأمر أشبه بإجراء صحي احترازي لمنع انتقال عدوى الفقر إلى الزبائن الموجودين بالداخل.

والمشكلة لم تكن في هذا الإجراء الروتيني، وإنما في أنني كنت قد قاطعت وسائل التواصل الاجتماعي جميعها، ولم يعد لدي ما أقدمه لإثبات سلامة وضعي الطبقي.

وجدت نفسي أمام مأزق وجودي حقيقي: كيف أثبت أنني شخص محترم إذا لم أكن أملك حسابًا على إنستجرام؟ وكيف يمكن لإنسان أن يتمتع بمكانة اجتماعية من دون أن ينشر صور وجباته ورحلاته وساعته ومفتاح سيارته؟

وبعد لحظات من التفكير، لم أجد أمامي سوى حل واحد.

أخرجت هاتفي، وفتحت تطبيق البنك.

لم أكن أعرف إن كان ذلك كافيًا للحصول على شهادة خلوّ من الفقر، لكنني تصورت أن كشف الحساب ربما يؤدي الغرض نفسه الذي تؤديه صور العطلات في الساحل الشمالي، مع فارق أنه أقل احتياجًا إلى الفلاتر.

والمفارقة أنني، بعد سنوات من دراسة الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس، وجدت نفسي أشارك طوعًا في تجربة ميدانية عن التمييز الطبقي، وأؤدي فيها دور العينة البشرية.

وما أزعجني لاحقًا لم يكن أنهم طلبوا مني إثبات مستواي الاجتماعي، بل أنني، بدلًا من الاعتراض على المبدأ، فتحت تطبيق البنك. وهكذا اكتشفت أن العدوى وصلت إليّ أنا أيضًا.

لم يكن المشهد مجرد موقف مضحك على باب مكان للترفيه. كان تلخيصًا شديد الدقة لتحول اجتماعي يستحق التأمل: لقد أصبح وجودك الرقمي، في بعض الدوائر، شهادة على وجودك الاجتماعي. وإذا لم تكن موجودًا على الإنترنت، فأنت على الأرجح لا تستحق أن تكون موجودًا في المكان.

حكيت الواقعة لبعض الأصدقاء، فضحكنا، ثم انحرف النقاش، كما يحدث عادة في جلساتنا، إلى المجتمع المصري، وإلى قدرتنا العجيبة على إصابة بعضنا بعضًا بأنواع لا حصر لها من الأزمات النفسية والعصبية والسلوكية، ثم التعامل مع نتائجها باعتبارها صفات أصيلة في الشخصية المصرية، أو ما يُطلق عليه Egyptian Traits & Attributes.

والمثير أن أحدًا لا يعرف على وجه الدقة من الذي أصاب الآخر بالعدوى. كلنا مرضى، وكلنا أطباء، وكلنا نملك تشخيصًا قاطعًا لحالة المجتمع، باستثناء حالتنا الشخصية بالطبع.

وربما كانت دراستي للاجتماع وما تخللها من أبحاث ميدانية هي التي جعلتني أقل استعدادًا لقبول الإجابات الجاهزة. فقد اعتدت أن أبحث عن أصل الظواهر الاجتماعية، لا لأنني أتمتع بفضيلة الصبر، وإنما لأنني أعاني من عادة مزعجة: لا أصدق أن المصري يولد وفي جيناته استعداد فطري للفهلوة والنفاق والتعالي على الآخرين، وأن هذه الصفات تنتقل بالوراثة كما ينتقل لون العينين.

لا بد أن وراء كل سلوك حكاية، ووراء كل عادة تاريخًا، ووراء كل ما نسميه «طبعًا مصريًا أصيلًا» ظروفًا اجتماعية وثقافية تستحق البحث.

فكلما سألت عن أصل عادة أو سلوك، جاءتني الإجابة نفسها تقريبًا: «إحنا اتربينا على كده»، أو «دي عاداتنا وتقاليدنا»، أو العبارة الأكثر إثارة للريبة: «من أيام أجدادنا».

وأجدادنا، بالمناسبة، من أكثر الشخصيات تعرضًا للاستغلال في التاريخ المصري. فنحن ننسب إليهم كل ما نريد، ونستدعيهم للشهادة في كل خلاف، ونحمّلهم مسؤولية عادات ربما لم يسمعوا عنها في حياتهم. ولحسن حظنا أنهم ماتوا، وإلا لاضطر كثير منهم إلى إصدار بيانات رسمية ينفون فيها علاقتهم بأحفادهم.

ولعل من الضروري أن أوضح منذ البداية أن هذا المقال لا يهدف إلى تقويض الشخصية المصرية، أو الانتقاص من تاريخها وحضارتها، أو التشكيك في خصالها الإيجابية. فأنا واحد من أبناء هذا المجتمع، وأعرف أن فيه من القيم الإنسانية ما يستحق الاعتزاز. لكن الاعتزاز بشيء لا يعفينا من مسؤولية معرفته، ولا يمنحنا حصانة ضد نقده.

فنحن نعتز بديننا اعتزازًا شديدًا، حتى إن بعضنا قد يدخل في معركة دفاعًا عنه، رغم أن معلوماته الدينية لا تتجاوز ما التقطه من خطبة جمعة أو مقطع فيديو مدته ثلاثون ثانية. ونفتخر بحضارتنا المصرية القديمة التي أذهلت العالم، بينما قد لا يعرف بعضنا عنها سوى أسماء بضعة ملوك وتماثيل، وربما لا يستطيع التمييز بين اسم ملك واسم محطة قطار.

ونفتخر بأن المصري معروف بجدعنته وكرمه وحسن استقباله للغرباء، وهي خصال نجد لها شواهد حقيقية في حياتنا اليومية. لكن ذلك لا يمنع أن يصادف الزائر الأجنبي من يحاول استغلاله أو التسول منه أو التحرش به، بينما نواصل نحن الحديث بثقة عن كرم الضيافة المصري الأصيل.

والمشكلة ليست في وجود هذه التناقضات؛ فلا يوجد مجتمع بشري خالٍ منها. المشكلة تبدأ حين نصر على تقديم أفضل ما فينا باعتباره وصفًا شاملًا لنا جميعًا، ثم نتعامل مع أسوأ ما فينا بوصفه استثناءً لا يستحق الذكر، أو مؤامرة تستهدف سمعتنا.

فالدين لا يصبح أقل قيمة حين نعترف بجهل بعضنا بتعاليمه، والحضارة المصرية لا تفقد عظمتها لأن بعض أحفادها لا يعرفون تاريخها، والجدعنة لا تختفي من المجتمع لأن فيه من يستغل الآخرين. لكن هذه القيم جميعًا تفقد شيئًا من معناها حين نكتفي بالتفاخر بها بدلًا من ممارستها.

وربما كانت إحدى مشكلاتنا أننا نخلط أحيانًا بين الانتماء والإنجاز؛ فنعتبر أنفسنا شركاء في بناء الأهرامات لمجرد أننا ولدنا بالقرب منها، ونطالب الآخرين بالاعتراف بفضلنا التاريخي، بينما لم يشارك معظمنا في هذا الإنجاز إلا باستخراج بطاقة رقم قومي مصرية.

وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي يشغلني: هل نحن فعلًا كما نحب أن نصف أنفسنا، أم أننا ورثنا مجموعة من الصفات الجميلة، ثم اكتفينا بالاحتفاظ بأسمائها؟


نحن لا نكتفي بأن نمرض من المجتمع

ما يشغلني ليس فقط تلك العادات والأفكار التي نتوارثها جيلًا بعد جيل، وإنما ما نفعله ببعضنا بعضًا كل يوم.

فنحن نعيش في مجتمع يمتلك قدرة استثنائية على استنزاف أفراده نفسيًا وعصبيًا. قد تبدأ يومك في حالة من السلام الداخلي، ثم تستقل سيارتك أو إحدى وسائل المواصلات، فتجد نفسك بعد نصف ساعة تعاني من توتر يكفي لتشغيل قسم كامل للطوارئ النفسية.

تصل إلى عملك محملًا بما جمعته من الشارع، فيستقبلك مدير يعتقد أن الإدارة هي القدرة على إفساد الحالة المزاجية للموظفين، فتنتقل العدوى إليك، ثم تنقلها بدورك إلى زميل أو مرؤوس لم يرتكب جريمة سوى أنه صادفك في اللحظة الخطأ.

وقد تبدأ العدوى قبل الوصول إلى العمل أصلًا.

تتوقف بسيارتك أمام إشارة مرور، فيقرر السائق خلفك أن استخدام آلة التنبيه على نحو متواصل سيساعد الإشارة على التحول إلى اللون الأخضر. وحين لا تستجيب الإشارة، يبدأ في الصراخ، فترد عليه، ويتدخل سائق ثالث لم يشاهد بداية المشاجرة، لكنه لا يرى سببًا يمنعه من المشاركة فيها.

بعد دقائق تتحرك السيارات، ويذهب كل منكم إلى وجهته، حاملًا قدرًا إضافيًا من الغضب لا يعرف ماذا يفعل به.

وفي العمل، قد يتحول هذا الغضب إلى سلسلة أخرى من الإهانات. مدير يوبخ موظفًا أمام زملائه، لا لأن الخطأ يستدعي ذلك، وإنما لأنه يستطيع. والموظف الذي لا يملك الرد على مديره يبحث، ربما دون وعي، عن شخص أقل سلطة يستطيع أن يفرغ فيه ما تلقاه.

قد يكون ذلك الشخص عاملًا، أو موظف استقبال، أو عامل توصيل، أو فردًا من أسرته.

وهكذا يصبح الغضب أشبه بطرد بريدي ينتقل من يد إلى أخرى، مع فارق أن كل شخص يضيف إليه شيئًا قبل أن يرسله.

وفي المصالح الحكومية والطوابير والمصاعد والمقاهي، وحتى على الشواطئ الفخمة التي يدفع الناس مبالغ طائلة لدخولها بحثًا عن الهدوء، تستطيع أن تصادف من يتكفل بإفساد يومك مجانًا.

تذهب إلى الشاطئ هربًا من ضوضاء المدينة، فتجد نفسك محاصرًا بموسيقى لا تحبها، ومشاجرة حول مكان الجلوس، وشخص يعتقد أن ثمن الكابانا يمنحه حق التصرف في المجال الصوتي المحيط بها.

وإذا اعترضت، فقد يذكرك بأنك لست وحدك في المكان، وهي حقيقة كان من الأفضل أن يتذكرها هو قبل تشغيل مكبرات الصوت.

يبدو أحيانًا أن الخدمة الوحيدة التي يحصل عليها المصري دون واسطة أو انتظار هي التوتر العصبي.

والأعجب أن أحدًا لا يعود إلى منزله حاملًا ما تلقاه من ضغوط فحسب؛ فكثيرًا ما يعيد توزيعها على من حوله.

المدير يضغط على الموظف، والموظف ينفجر في وجه عامل التوصيل، وعامل التوصيل يتشاجر مع سائق في الشارع، والسائق يعود إلى منزله غاضبًا، فتتلقى أسرته نصيبها من يوم لم تشارك في أحداثه.

وفي الصباح تبدأ الدورة من جديد، وكأننا نعمل جميعًا في شبكة توزيع قومية للاضطرابات النفسية، لا تحتاج إلى تراخيص أو فروع أو خدمة عملاء.

يعرف علم النفس ظواهر تساعدنا على فهم بعض ما يحدث هنا، منها انتقال الانفعالات بين الأشخاص، ومنها توجيه الغضب إلى شخص آخر غير الشخص أو الموقف الذي أثاره أصلًا.

فالموظف الذي يعجز عن مواجهة رئيسه قد يجد نفسه أكثر حدة مع شخص لا يملك سلطة عليه، دون أن يكون ذلك مبررًا لسلوكه.

ولا أقصد أن مشاجرة في المرور تصيب الإنسان بمرض عقلي، أو أن الغضب العابر تشخيص نفسي. لكن الضغط المزمن والعدوانية والإهانة والخوف يمكن أن تترك آثارًا نفسية وجسدية حقيقية، وأن تزيد معاناة من لديهم مشكلات قائمة.

أما «العدوى» التي أتحدث عنها فهي، في المقام الأول، انتقال التوتر والسلوك العدواني والانفعالات السلبية بين الناس، وتحولها مع التكرار إلى مناخ اجتماعي عام.

وهكذا، فالأمراض المنقولة اجتماعيًا، كما أقصدها هنا، ليست مجرد أفكار فاسدة نرثها من الأجداد، وإنما أيضًا أذى نفسي نمارسه ونتعرض له أثناء احتكاكنا اليومي.

بعضنا يصيب بعضًا، وبعضنا ينقل ما أصابه إلى آخرين، ثم نجلس جميعًا في نهاية اليوم نتساءل ببراءة شديدة: لماذا أصبح الناس عصبيين إلى هذا الحد؟

والمفارقة أن العدوى لا تحترم الحدود الطبقية. تستطيع أن تصيبك في ميكروباص مزدحم، أو داخل سيارة فاخرة، أو في مكتب حكومي، أو في نادٍ خاص يشترط الاطلاع على حسابك في إنستجرام قبل السماح لك بالدخول.

يمكنك أن تدفع ثمن العزلة الاجتماعية، لكنك لا تستطيع دائمًا شراء المناعة ضد المجتمع.


تورتة فرح من اثني عشر طابقًا

ولأنني لم أجد في التفاخر بالأمجاد ولا في جلد الذات إجابة مقنعة، قررت أن أبحث تحت السطح.

وهناك اكتشفت أن التراكم الثقافي يشبه تورتة فرح من اثني عشر طابقًا. كلما رفعت طبقة وجدت تحتها أخرى؛ أفكارًا تغطي عادات، وعادات تخفي مخاوف، ومخاوف تستر مصالح، ومصالح تستند إلى ظروف تاريخية نسيها الجميع.

وأواصل الحفر حتى أصل أحيانًا إلى الكيكة الأصلية التي بُنيت فوقها هذه الطبقات جميعًا.

وهنا تبدأ المشكلة.

ففي بعض الحالات، أكتشف أن الأصل كان فكرة عقلانية، أو محاولة لتنظيم المجتمع، أو استجابة مفهومة لظروف تاريخية معينة. ثم أتابع ما فعلته الأجيال المتعاقبة بهذه الفكرة، وكيف أضاف كل جيل إليها شيئًا، وحذف منها شيئًا، وأساء فهم شيئًا ثالثًا، حتى انتهينا إلى سلوك يناقض أحيانًا الفكرة التي نشأ منها.

وعند هذه النقطة أتوقف متسائلًا: كيف استطاع مجتمع يمتلك كل هذا الرصيد الثقافي والتاريخي أن ينتج هذه الدرجة من الغوغائية الفكرية؟ وكيف تحولت أفكار كانت قابلة للنقاش والتعديل إلى مسلمات اجتماعية لا يجوز الاقتراب منها؟

والأعجب أننا لا نكتفي بتوارث هذه الأفكار، وإنما نتوارث أيضًا وسائل الدفاع عنها. فالمصري الذي يعجز عن تقديم سبب منطقي لسلوكه يستطيع، خلال ثوانٍ، أن يستدعي الدين والتاريخ والأخلاق وسمعة العائلة والجيران والأجداد، وربما الأمن القومي إذا استدعى الأمر.

ولأنني لا أريد أن أظلم الأمراض النفسية الحقيقية بتحميلها مسؤولية كل حماقاتنا، فمن الضروري توضيح أن ما أسميه هنا «الأمراض المنقولة اجتماعيًا» ليس تصنيفًا طبيًا، وإنما استعارة ساخرة لمجموعة من الأفكار والسلوكيات التي تنتقل بين الأفراد والأجيال، وتكتسب مع مرور الزمن حصانة ضد التفكير النقدي.

وقد اخترت لها الاختصار الإنجليزي STD، وهو اختصار مستخدم طبيًا للأمراض المنقولة جنسيًا، مع تغيير طريقة الانتقال فقط.

ففي حالتنا لا تحتاج العدوى إلى اتصال حميم، ولا حتى إلى مصافحة. يكفي أن تولد في أسرة مصرية، أو تلتحق بمدرسة، أو تجلس على مقهى، أو تنضم إلى مجموعة عائلية على واتساب.

ولم أكن أول من انتبه إلى المفارقة الكامنة في هذا التعبير. ففي عام 2017، دعا الباحثان لوك ألين وأندريا فيغل، في مقال منشور بمجلة The Lancet Global Health، إلى إعادة النظر في تسمية الأمراض غير المعدية، للفت الانتباه إلى دور الظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في نشأتها وانتشار عوامل الخطر المرتبطة بها. واستُخدم في النقاش البحثي تعبير «الأمراض المنقولة اجتماعيًا»، للتأكيد على أن بعض الأمراض التي لا تنتقل بالعدوى البيولوجية تتأثر بشدة بالعوامل الاجتماعية.

لكنني لا أنوي منافسة الأطباء في اختصاصهم، ولا اقتراح تصنيف جديد للأمراض العقلية.

ما يشغلني هو نوع آخر من العدوى، لا يحتاج إلى فيروس أو بكتيريا، وإنما إلى فكرة يتبناها شخص، ثم ينقلها إلى آخر، حتى تصبح مع مرور الوقت عرفًا اجتماعيًا، وربما فضيلة قومية لا يجوز التشكيك فيها.

فإذا كان الإنسان قادرًا على اكتساب عادة ضارة من المحيطين به، أفلا يمكنه أيضًا أن يكتسب منهم العصبية والتسلط والتعالي على الآخرين؟ وإذا كان الغضب ينتقل من المدير إلى الموظف، ومن الموظف إلى أسرته، فكم من السلوكيات التي نعتبرها اليوم جزءًا من شخصيتنا ليست سوى آثار متراكمة لضغوط مارسناها على بعضنا بعضًا، حتى اعتدناها وصرنا نعيد إنتاجها دون أن نشعر؟

وهنا تكمن المفارقة: بعض الأمراض نحاول علاجها فور اكتشافها، أما أمراضنا الاجتماعية فقد نبذل جهدًا استثنائيًا للحفاظ عليها، ثم نغضب إذا رفض أبناؤنا وراثتها.

أما أكثر ما يميز هذه الأمراض، فهو أن حامل العدوى لا يكتفي غالبًا بنقلها إلى الآخرين، بل يعتبر إصابتهم بها واجبًا أخلاقيًا وتربويًا.

ولنحاول الآن رفع بعض طبقات هذه التورتة.


1. جنون العظمة المصحوب بجنون الاضطهاد

يعاني بعض المصريين من حالة اجتماعية مثيرة للاهتمام: شعور متضخم بالعظمة، يصاحبه اقتناع راسخ بأن العالم لا يكف عن التآمر عليهم.

وهي تركيبة تسمح لصاحبها بأن يكون أعظم إنسان في المنطقة وأكثرهم تعرضًا للظلم في الوقت نفسه.

فالمصري، وفقًا لهذه الرواية عن نفسه، هو الذي علّم العرب القراءة والكتابة، وبنى لهم دولهم، وأسس جامعاتهم، وعلّم أبناءهم، وعرّفهم إلى الطب والهندسة والفنون.

ولولا أنه تكرّم بالخروج من مصر، لبقيت المنطقة المحيطة بها صحراء شاسعة لا يعرف سكانها ماذا يفعلون بعد غروب الشمس.

ولا شك أن مصر لعبت دورًا تاريخيًا بالغ الأهمية في التعليم والإعلام والثقافة والفنون في العالم العربي، وأن المعلمين والأطباء والمهندسين والعمال المصريين شاركوا في بناء مؤسسات ومشروعات عديدة خارجه.

لكن المسافة بين الاعتراف بهذا الدور وبين الادعاء بأن الآخرين لا يساوون شيئًا من دوننا، هي المسافة بين التاريخ وجنون العظمة.

والأغرب أن المصري الذي يطالب الآخرين بالاعتراف بفضله، قد يشعر بالإهانة إذا ذكّره أحد بأن بلاده استفادت هي الأخرى من شعوب وثقافات وخبرات أجنبية.

فالتأثير الثقافي، في هذه الحالة، طريق ذو اتجاه واحد: نحن نعلّم الجميع، ولا نتعلم من أحد.

ويقدم لنا علم النفس الاجتماعي مفهومًا مفيدًا لفهم جانب من هذه الظاهرة، هو «النرجسية الجمعية»، حيث لا يكتفي بعض الأفراد بالاعتزاز بجماعتهم، بل يعتقدون أنها تستحق اعترافًا استثنائيًا من الآخرين، وقد يفسرون غياب ذلك الاعتراف باعتباره عداءً أو إهانة.

وهذا يختلف عن الفخر الوطني الطبيعي. فمن الممكن أن يحب الإنسان بلاده وتاريخها دون أن يعتقد أن الشعوب الأخرى أقل منه شأنًا.

ولفهم هذا التناقض في مصر، لا بد أن نرفع بعض طبقات التورتة.

لقد امتلكت مصر خلال القرن العشرين مكانة ثقافية وإعلامية وتعليمية بارزة في العالم العربي. كانت القاهرة مركزًا مهمًا للنشر والسينما والموسيقى والإذاعة، وشارك مصريون في التعليم والعمل وبناء المؤسسات في دول عربية عديدة.

لكن هذه المكانة لم تكن ثابتة، كما أن المنطقة لم تكن تنتظر المصريين كي تبدأ تاريخها.

ثم تغيرت موازين الثروة والعمل والنفوذ، وظهرت مراكز عربية جديدة للإنتاج الثقافي والإعلامي والتعليمي.

وفي مثل هذه التحولات يمكن أن يتحول الفخر بالماضي لدى بعض الناس إلى مرارة من الحاضر.

وهنا يظهر سؤال يستحق البحث: هل يصبح الإلحاح على الأمجاد القديمة، في بعض الحالات، وسيلة للتعويض عن الشعور بفقدان المكانة؟

لا أملك إجابة واحدة تصلح لجميع المصريين، لكنني ألاحظ أن بعض الخطابات القومية تزداد عدوانية كلما احتاج أصحابها إلى إثبات تفوقهم.

وربما كان أخطر ما في هذا السلوك أنه يجعل الإنسان عاجزًا عن رؤية إنجازات الآخرين، لأنه يتعامل معها باعتبارها خصمًا من رصيده الشخصي.

وتبدأ العدوى حين تتحول هذه المبالغات إلى لغة يومية يتلقاها الأطفال والشباب باعتبارها حقائق تاريخية لا تحتاج إلى مراجعة.

فالطفل الذي يتعلم أن احترام وطنه يستلزم احتقار الآخرين قد يجد صعوبة، فيما بعد، في الفصل بين الاعتزاز بالهوية والعداء للاختلاف.


2. متلازمة «إحنا اتربينا على كده»

لا أعرف على وجه الدقة متى قرر بعض المصريين أن التربية عملية لنقل أخطاء الآباء إلى الأبناء، لكن يبدو أن التجربة حققت نجاحًا مذهلًا، بدليل أننا ما زلنا نستخدم العبارة نفسها منذ أجيال: «إحنا اتربينا على كده».

وهي عبارة تتمتع بميزة لا تتوافر في معظم النظريات العلمية: أنها لا تحتاج إلى دليل، ولا تقبل المراجعة، ولا يمكن دحضها.

فالمتحدث لا يخبرك كيف تربى، وإنما يعلن أن الطريقة التي تربى بها هي الطريقة الصحيحة، وأن أي محاولة لتعديلها تمثل اعتداءً على التراث الإنساني، وربما على أمن الأسرة القومي.

خذ مثلًا فكرة الطاعة.

يتعلم الطفل في بعض البيوت أن احترام الكبير يعني ألا يناقشه، وأن الاعتراض وقاحة، وأن السؤال قد يكون دليلًا على سوء التربية.

ثم يذهب إلى المدرسة فيكتشف أن المعلم قد يتعامل مع السؤال بالطريقة نفسها، فيتعلم أن أفضل وسيلة للنجاح هي حفظ الإجابة المطلوبة، لا البحث عن إجابة صحيحة.

وبعد سنوات، يدخل الحياة العملية، ويُطلب منه أن يكون مبتكرًا ومبدعًا وقادرًا على اتخاذ القرارات.

وهي مطالبة تشبه أن تقضي عشرين عامًا في تدريب شخص على عدم السباحة، ثم تلقيه في البحر وتوبخه لأنه لا يعرف كيف يتحرك.

لكن هل كانت الأسرة المصرية دائمًا على الصورة نفسها؟

بالطبع لا.

فقد تغيرت بنية الأسرة، وأدوار النساء والرجال، والتعليم، والعمل، والعلاقة بين الأجيال، وتوقعات الآباء من الأبناء، بصورة كبيرة خلال القرنين الأخيرين.

وما نعتبره اليوم تقليدًا قد يكون نتاجًا لتحولات اقتصادية واجتماعية حديثة نسبيًا.

حتى فكرة الأب الذي يتولى وحده الإنفاق، والأم التي تنحصر مسؤوليتها في المنزل، لا تصلح وصفًا شاملًا للتاريخ المصري. فقد شاركت النساء في الزراعة والحرف والتجارة والعمل المأجور بأشكال مختلفة، وإن تفاوت الاعتراف الاجتماعي والاقتصادي بهذا العمل.

لكن التقاليد، كما نعرف، لا تحب التاريخ كثيرًا. فهي تفضّل النسخة المختصرة التي يمكن استخدامها أثناء المشاجرات العائلية.

والأخطر أن بعض الناس لا يكتفون بتبرير التربية القاسية التي تعرضوا لها، بل يعيدون إنتاجها باعتبارها دليلًا على نجاحهم.

«أبويا كان بيضربني وطلعت راجل».

وهي حجة لا تختلف منطقيًا كثيرًا عن القول إن شخصًا نجا من حادث سيارة، ولذلك ينبغي تعميم الحوادث على الأطفال كي يصبحوا أقوياء.

هنا تتحول المعاناة إلى فضيلة، والنجاة من الأذى إلى دليل على ضرورة تكراره.

ثم يكبر الطفل، ويصبح أبًا أو معلمًا أو مديرًا، ويكتشف أنه يمتلك أخيرًا السلطة التي كان يخضع لها.

وقد يقرر عندئذ ألا يستخدمها لحماية الآخرين من التجربة التي عاشها، بل لإعادة التجربة نفسها، باعتبارها جزءًا من التربية السليمة.

وهكذا تنتقل العدوى من جيل إلى آخر، ليس لأن أحدًا أثبت أن القسوة مفيدة، وإنما لأن كثيرين اعتادوا اعتبارها دليلًا على الاهتمام والانضباط.

وليس المطلوب أن نلغي احترام الآباء أو المعلمين، وإنما أن نتوقف عن الخلط بين الاحترام والخضوع، وبين التربية والسيطرة، وبين الخبرة والعصمة من الخطأ.


3. الشهادة الجامعية ليست شهادة سلامة نفسية

هناك اعتقاد اجتماعي آخر يستحق أن نفرد له طابقًا كاملًا في تورتة الأمراض المنقولة اجتماعيًا: أن النجاح المهني أو المكانة الاجتماعية الرفيعة يمنحان صاحبهما حصانة طبيعية ضد الاضطرابات النفسية والعصبية.

فمن الصعب، في نظر البعض، أن يكون أستاذ جامعي أو طبيب شهير أو قاضٍ أو مسؤول كبير أو رجل أعمال ناجح بحاجة إلى مساعدة نفسية.

فكيف يُعقل أن يحتاج شخص يحمل الدكتوراه إلى طبيب نفسي؟ وكيف يمكن لإنسان يدير مؤسسة تضم مئات الموظفين أن يعجز عن إدارة انفعالاته الشخصية؟

يبدو الأمر وكأن الشهادات الجامعية تأتي مزودة بتطعيمات إجبارية ضد القلق والاكتئاب واضطرابات الشخصية، وأن الترقي الوظيفي يصاحبه تحسن تلقائي في كيمياء المخ.

أما الاضطرابات النفسية، وفقًا لهذا التصور، فهي مشكلات تصيب الفقراء والفاشلين ومحدودي التعليم، وربما أولئك الذين لم يحالفهم الحظ في الحصول على لقب اجتماعي محترم.

والحقيقة أن الدماغ البشري لا يطلب الاطلاع على المؤهل الدراسي قبل أن يختل توازنه، ولا يستشير الحساب البنكي قبل أن يتعرض صاحبه لأزمة نفسية.

لكن المشكلة لا تتوقف عند إنكار المرض أو رفض طلب المساعدة.

فهناك من يحيط سلوكه المؤذي بهالة من الشرعية المستمدة من منصبه أو ثروته أو شهادته.

قد يصرخ المدير في وجه موظفيه، فيعتبر ذلك دليلًا على قوة شخصيته. وقد يهين الأستاذ طلابه، فيُقال إنه شديد الصرامة. وقد يتعامل صاحب النفوذ مع الآخرين باحتقار، فيُفسَّر سلوكه باعتباره ثقة بالنفس.

بل إن بعض هذه الشخصيات قد تتباهى بأنها لا تعرف الرحمة في العمل، وكأن الرحمة عيب مهني يعوق الوصول إلى المناصب العليا.

وليس معنى ذلك أن كل شخص غاضب أو متسلط يعاني من اضطراب نفسي، أو أن السلوك العدواني يكفي لتشخيص مرض.

لكن المؤكد أن النجاح لا يبرر إيذاء الآخرين، وأن المكانة الاجتماعية لا تعفي صاحبها من مراجعة سلوكه أو طلب المساعدة حين يحتاج إليها.

ثم تبدأ المرحلة الأخطر من العدوى.

فالشخص الذي يتعرض للإهانة من رئيسه قد لا يكتفي بتحملها، بل يبدأ في الاعتقاد أن هذه هي الطريقة الصحيحة لإدارة البشر.

وإذا ترقى يومًا إلى منصب مماثل، فإنه يعيد إنتاج السلوك نفسه، وربما بصورة أكثر قسوة، حتى يثبت أنه لا يقل قوة عن أستاذه.

والشاب الذي يرى رجلًا ثريًا يعامل الآخرين بتعالٍ قد يتصور أن التعالي جزء من وصفة النجاح، وأن احترام الناس سلوك يصلح للفقراء الذين لم يصلوا بعد إلى مرحلة الثراء.

وهكذا لا تنتقل العدوى بالتقليد وحده، بل تنتقل أيضًا بالإعجاب.

فحين يكتسب السلوك المؤذي شرعيته من مكانة صاحبه، يصبح نموذجًا اجتماعيًا قابلًا للاستنساخ.

وما كان ينبغي أن يكون سببًا لمراجعة النفس يتحول إلى مهارة يتدرب الآخرون على اكتسابها.

والمفارقة أن المجتمع قد يرفض الاعتراف بحاجة الشخصية المرموقة إلى علاج نفسي، لكنه لا يجد غضاضة في تقليد سلوكياتها المؤذية.

وكأننا لا نريد أن نعترف بوجود المشكلة، لكننا حريصون على توزيع نسخ منها على أكبر عدد ممكن من الناس.

وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا: كم سلوكًا مؤذيًا نمارسه اليوم لا لأننا نؤمن بصحته، بل لأننا رأينا شخصًا ناجحًا يمارسه قبلنا؟

وربما كان أخطر أنواع الأمراض المنقولة اجتماعيًا هو ذلك الذي لا نعتبره مرضًا أو أذى أصلًا، بل نسميه نجاحًا.


4. اضطراب «الناس هتقول علينا إيه؟»

من الصعب تحديد عدد المصريين الذين يعيشون داخل رؤوس الآخرين، لكنني أظن أن أزمة الإسكان كانت ستصبح أقل حدة لو استطعنا إخلاء تلك المساحات المزدحمة.

ففي بعض البيوت لا يتخذ الإنسان قرارًا بشأن دراسته أو عمله أو زواجه أو ملابسه قبل أن يستشير هيئة غامضة تُعرف باسم «الناس».

والناس، في هذه الحالة، مؤسسة غير رسمية لا نعرف مقرها ولا أعضاء مجلس إدارتها، لكنها تتمتع بسلطات واسعة في إدارة الحياة الخاصة.

قد ترفض فتاة قرارًا شخصيًا لأنها تخشى كلام الناس، وقد يُجبر شاب نفسه على إنفاق ما لا يملك لإقامة حفل زفاف لا يريده، لأن الناس ينبغي أن ترى أنه قادر على الإنفاق.

وقد تدخل أسرة في ديون طويلة لتثبت لجيرانها أنها ليست فقيرة، في حين يكون الجيران مشغولين بمحاولة إثبات الشيء نفسه لأسر أخرى.

إنه اقتصاد متكامل قائم على الخوف من الانطباعات.

لكن سلطة «الناس» لا تتوقف عند الملابس والأفراح.

فقد يحتاج شخص إلى مساعدة نفسية، ويعرف أنه يعاني، لكنه يرفض الذهاب إلى متخصص خوفًا من أن يعرف الآخرون.

وقد تفضّل أسرة إخفاء معاناة أحد أفرادها، لا لأنها لا تحبه، وإنما لأنها تخشى أن تتحول مشكلته إلى وصمة اجتماعية تؤثر في سمعته أو فرص زواجه أو عمله.

وهكذا لا يصبح المرض وحده مصدرًا للمعاناة، بل الخوف من الاعتراف به أيضًا.

وليس مفهوم السمعة اختراعًا مصريًا، ولا يمكن فهمه باعتباره مجرد حماقة جماعية.

ففي المجتمعات التي تلعب فيها شبكات القرابة والجيرة والعلاقات الشخصية دورًا مهمًا، قد تؤثر السمعة في فرص الزواج والعمل والمساندة الاجتماعية.

أي إن الحرص على السمعة كان، ولا يزال أحيانًا، استجابة عملية لواقع اجتماعي.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الآلية إلى سلطة تتجاوز وظيفتها الأصلية، فتمنع الناس من اتخاذ قرارات تخص حياتهم، أو تجعلهم أكثر اهتمامًا بمظهر الفضيلة من ممارستها.

وعندئذ يصبح السؤال ليس: هل هذا الفعل صحيح أم خاطئ؟

بل: هل سيعرف الآخرون أننا فعلناه؟

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات الاجتماعية إثارة: يمكن أن يصبح إخفاء الخطأ أهم من إصلاحه، وأن تصبح الفضيحة أخطر من الفعل الذي تسبب فيها.

أما العدوى فتنتقل حين يتعلم الأطفال أن نظرة الآخرين إليهم أهم من حقيقة ما يشعرون به، وأن طلب المساعدة قد يكون أشد خطرًا على سمعتهم من استمرار معاناتهم.


5. حين يتحول التحايل إلى شهادة كفاءة

هناك كلمة مصرية يصعب ترجمتها بدقة إلى لغات أخرى: «الفهلوة».

وهي كلمة تستطيع، بحسب السياق، أن تكون مديحًا للذكاء وسرعة التصرف، أو وصفًا للتحايل، أو اعترافًا بالقدرة على إنجاز المستحيل دون معرفة كافية بما نفعله.

والفهلوي شخصية اجتماعية معقدة. فهو يعرف شخصًا يعرف شخصًا يستطيع حل المشكلة، وقد يكون هذا الحل مشروعًا أو مخالفًا للقواعد أو مجرد كارثة مؤجلة.

والمثير أننا نحتفي أحيانًا بمن يستطيع تجاوز النظام أكثر مما نحتفي بمن يعرف كيف يعمل النظام أصلًا.

تخيل شخصًا يقف في طابور طويل لإنجاز معاملة. ينتظر مع الآخرين، ثم يظهر رجل يعرف موظفًا بالداخل، فيتجاوز الجميع وينهي معاملته خلال دقائق.

قد يغضب الواقفون من هذا التصرف، لكن بعضهم لا يفكر في المطالبة بنظام يمنع حدوثه. بل يبدأ في البحث عن واسطة خاصة به، حتى لا يكون في المرة القادمة آخر من ينهي معاملته.

وهكذا يتحول الاعتراض على الظلم إلى محاولة للحصول على امتياز يسمح بممارسته.

لكن الفهلوة لا تنشأ في الفراغ.

حين تكون الإجراءات معقدة، والخدمات غير متكافئة، والثقة في المؤسسات ضعيفة، قد تصبح العلاقات الشخصية والقدرة على المناورة أدوات عملية للبقاء.

وفي مثل هذه الظروف يمكن أن يبدو الشخص الذي يلتزم بالقواعد ساذجًا، بينما يصبح القادر على تجاوزها نموذجًا للنجاح.

وهنا تقع الكارثة الأخلاقية: يتحول التكيف مع خلل مؤسسي إلى قيمة اجتماعية، ثم تستمر القيمة حتى حين تؤدي إلى إعادة إنتاج الخلل نفسه.

فإذا كان الجميع يحتاج إلى واسطة لإنجاز معاملاته، فمن سيطالب بنظام لا يحتاج إلى واسطة؟

وإذا كان التحايل دليلًا على الذكاء، فما الذي يجعل النزاهة فضيلة تستحق المكافأة؟

لا أعتقد أن الفهلوة صفة وراثية في المصريين، ولا أنها حكر عليهم. لكنها مثال ممتاز على الطريقة التي يمكن أن يتحول بها سلوك مكتسب في ظروف معينة إلى جزء من صورة المجتمع عن نفسه.

وهنا، مرة أخرى، نجد أن التورتة ليست فاسدة كلها. فالقدرة على الارتجال والتصرف السريع والابتكار في مواجهة الأزمات قد تكون مهارات ثمينة.

لكن المهارة التي تنقذ إنسانًا من مشكلة يمكن أن تتحول إلى مرض اجتماعي حين تصبح بديلًا دائمًا عن القانون والمعرفة والكفاءة.


6. من يملك مفاتيح أخلاق الآخرين؟

من الأخطاء الشائعة في قراءة التاريخ الاجتماعي المصري الاعتقاد بأن المصريين كانوا مجتمعًا متحررًا ثم أصبحوا متدينين فجأة، أو أنهم كانوا متدينين ثم أفسدتهم الحداثة.

كلتا الروايتين مريحتان لأصحابهما، وكلتاهما تختزلان تاريخًا معقدًا في صورة فوتوغرافية.

فمصر في النصف الأول من القرن العشرين لم تكن مجرد نساء يرتدين الفساتين في شوارع وسط القاهرة، كما أنها لم تكن مجتمعًا واحدًا يتبنى القيم والمظاهر نفسها.

كانت هناك اختلافات بين الريف والمدينة، وبين الطبقات، وبين الجماعات الدينية، بل وبين الأحياء داخل المدينة الواحدة.

وفي العقود اللاحقة تغيرت مظاهر التدين والخطاب الديني، وتأثرت بالتحولات السياسية والاقتصادية والهجرة والتعليم والإعلام والحركات الاجتماعية.

لكن ما يهمني هنا ليس الحكم على التدين نفسه، وإنما السؤال عن تحوله، في بعض الممارسات، إلى سلطة على الآخرين.

كيف ينتقل الإنسان من الإيمان بقيمة أخلاقية إلى الاعتقاد بأنه مكلف بمراقبة مدى التزام الآخرين بها؟

وكيف يصبح المظهر الخارجي دليلًا قاطعًا على الفضيلة أو الرذيلة؟

وما الذي يحدث حين تختلط القناعة الدينية بالضغط الاجتماعي، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين الاختيار الشخصي والخوف من العقاب المعنوي؟

يمكن أن يعيش الإنسان سنوات وهو يخفي جانبًا من شخصيته أو أفكاره أو اختياراته، لا لأنه مقتنع بخطئها، وإنما لأنه يخشى نظرات المحيطين به وتعليقاتهم.

وقد تتحول هذه المراقبة المستمرة إلى مصدر للقلق والضغط النفسي، خصوصًا حين يشعر الفرد بأنه مطالب بتقديم نسخة مقبولة اجتماعيًا من نفسه في كل مكان.

والأغرب أن المجتمع يستطيع أحيانًا أن يحتفي بفنانة من الماضي بوصفها رمزًا للأصالة والجمال، بينما يهاجم امرأة معاصرة بسبب مظهر أو سلوك مشابه.

والسبب ليس بالضرورة أن المجتمع أصبح أكثر أخلاقًا، وإنما ربما لأن الماضي، بعد أن يتحول إلى تراث، يفقد قدرته على إثارة الخوف نفسه الذي يثيره الحاضر.

فنحن نستطيع أن نحب ما مات، لأنه لم يعد يطالبنا بحقوقه.

أما الأحياء، فهم مشكلة مستمرة.

وهنا تنتقل العدوى من الشخص الذي يراقب الآخرين إلى الشخص الذي يخشى مراقبتهم، ثم قد يتحول الأخير بدوره إلى مراقب جديد، حتى لا يكون وحده الخاضع لهذه السلطة.


7. من الشقة إلى الحمض النووي

من أكثر التحولات الاجتماعية إثارة في مصر تغير المعايير التي تمنح الإنسان مكانته.

كانت الأرض الزراعية مصدرًا مهمًا للثروة والنفوذ، ثم توسعت أهمية التعليم والشهادات والوظائف الحكومية، وظهرت مسارات جديدة للصعود الاجتماعي مع التصنيع والهجرة والعمل بالخارج والتجارة والعقارات والاقتصاد الرقمي.

لكن المشكلة ليست في تغير مصادر الثروة. فالمجتمعات كلها تتغير.

المشكلة حين تتحول الثروة إلى معيار لقيمة الإنسان نفسه.

في هذه الحالة لا يعود السؤال عن مكان سكنك سؤالًا جغرافيًا، بل يصبح اختبارًا اجتماعيًا. ولا تعود السيارة وسيلة انتقال، بل بيانًا عن موقعك في السلم الطبقي.

وقد أصبحت بعض المجتمعات السكنية المغلقة تعبيرًا واضحًا عن الرغبة في الفصل المكاني والاجتماعي، وإن اختلفت دوافع سكانها بين الأمان والخدمات والمكانة والاستثمار.

وإذا كانت العنصرية تقوم على افتراض تفوق جماعة بشرية على أخرى، فإن التعالي الطبقي يستطيع أن ينتج منطقًا مشابهًا، حيث تصبح الفروق الاقتصادية دليلًا متخيلًا على فروق أخلاقية أو عقلية.

وهذا ليس حكرًا على الأغنياء.

فقد يحتقر الفقير من هو أفقر منه، وقد يسخر المتعلم من الأقل تعليمًا، وقد يتعامل صاحب المهنة المرموقة مع صاحب العمل اليدوي باعتباره أقل قيمة.

كما يمكن أن يجد التمييز على أساس لون البشرة أو الأصل الجغرافي طريقه إلى العلاقات اليومية، حتى بين أشخاص ينتمون إلى المجتمع الوطني نفسه.

إنها عدوى تتحرك في الاتجاهات كلها.

والمشكلة الأكثر تعقيدًا أن الشخص الذي يتعرض للاحتقار بسبب طبقته أو مهنته قد يتبنى هو نفسه المعايير التي تحتقره، ثم يستخدمها ضد من هم أقل منه مكانة.

وهكذا لا يصبح الصعود الاجتماعي مجرد تحسن في الظروف المادية، بل قد يتحول لدى البعض إلى فرصة لممارسة السلطة الرمزية التي تعرضوا لها سابقًا.

وكلما صعد شخص درجة في السلم الاجتماعي، وجد نفسه أمام اختبار بسيط: هل سيطالب بإزالة السلم، أم سيستخدمه لركل من يقف تحته؟


8. حين أصبحت الأمراض المنقولة اجتماعيًا رقمية

حتى هذه اللحظة، قد يبدو أننا نتحدث عن أمراض قديمة، وعن عادات وأفكار انتقلت عبر الأسرة والمدرسة والشارع والإعلام التقليدي.

لكن المشكلة أن وسائل الانتقال تغيرت جذريًا.

كان انتقال بعض الأفكار الاجتماعية يحتاج إلى سنوات، وربما أجيال. أما اليوم، فيمكن لفيديو قصير أو شائعة أو صورة مفبركة أن تصل إلى أعداد هائلة من الناس خلال وقت بالغ القصر.

ولم يعد الإنسان يتلقى أفكاره من أسرته ومدرسته ومجتمعه المحلي فقط، بل من فضاء رقمي عالمي تتنافس داخله جهات وأفراد ومؤسسات على انتباهه.

وهنا يظهر السؤال الذي يقلقني أكثر من غيره: ماذا سيحدث للأجيال التي تتشكل هويتها في هذا الفضاء، بينما لا تزال مجتمعاتها عاجزة عن مراجعة كثير من الأفكار التي ورثتها؟

إن الهاتف المحمول ليس مجرد جهاز اتصال. لقد أصبح أداة للتعلم والعمل والترفيه وتكوين العلاقات وتلقي الأخبار وصناعة التصورات عن الذات والعالم.

لكن الأدوات التي تمنح الإنسان فرصًا غير مسبوقة للمعرفة تستطيع أيضًا أن تعرضه لمحتوى مضلل أو عدائي أو مصمم لاستغلال انفعالاته.

وليست كل خوارزمية شريرة، ولا كل استخدام للإنترنت خطرًا، ولا يصح اعتبار الأطفال ضحايا سلبيين للتكنولوجيا.

لكن بعض المنصات تكافئ المحتوى القادر على جذب الانتباه، وقد يكون الغضب والخوف والاستفزاز من الوسائل الفعالة لتحقيق ذلك.

تخيل الآن طفلًا يتلقى داخل بيته رسائل متناقضة عن احترام الآخرين والاختلاف والنجاح والهوية، ثم يقضي ساعات في بيئة رقمية تقدم له نماذج أخرى، بعضها أكثر جاذبية وتأثيرًا من أسرته ومدرسته.

من الذي يربي هذا الطفل فعلًا؟

الأب؟ الأم؟ المدرسة؟ المجتمع؟ أم المؤثر الذي لا يعرف اسمه الحقيقي، لكنه يعرف كيف يجعله يشاهد الفيديو التالي؟

والأخطر أن الأمراض الاجتماعية القديمة تستطيع أن تجد في التكنولوجيا وسائل جديدة للانتشار.

فالتعصب يمكن أن يتحول إلى حملة إلكترونية، والتنمر إلى مطاردة جماعية، والفضيحة إلى محتوى دائم التداول، والمعلومة الكاذبة إلى حقيقة يتعامل معها آلاف الأشخاص قبل أن يتمكن أحد من تصحيحها.

وقد أصبح التلاعب الرقمي بالصور والأصوات أكثر سهولة مع تطور الذكاء الاصطناعي، بما يضيف تحديات جديدة إلى مسألة الثقة في المعلومات.

وليس معنى ذلك أن الماضي كان عصرًا ذهبيًا للحقيقة. فقد عرفت المجتمعات الشائعات والدعاية والتحريض منذ زمن بعيد.

لكن الجديد هو السرعة والحجم والقدرة على الاستهداف، إلى جانب صعوبة السيطرة على ما ينتشر بعد خروجه إلى المجال العام.

وهذه ليست مشكلة تخص العلاقات الشخصية وحدها.

فالمعلومات والثقة والهوية والانتماء أصبحت جميعها ساحات للتنافس والتأثير، سواء في الحملات السياسية والإعلامية أو في الصراعات الدولية.

ويكثر الحديث عن حروب الجيل الرابع والخامس، وإن كانت تعريفات هذه المصطلحات موضع خلاف. لكن ما يهمني هنا ليس اسم الجيل الذي تنتمي إليه الحرب، وإنما قدرة الأدوات الرقمية على تضخيم الاستقطاب والتضليل وإضعاف الثقة الاجتماعية.

فالمجتمع الذي يسهل دفع أفراده إلى التخوين المتبادل، أو تصديق الشائعات، أو التعامل مع المختلف باعتباره عدوًا، قد يكون أكثر عرضة للتلاعب.

لقد أصبحنا نملك أدوات أكثر قوة من أي وقت مضى، لكن امتلاك الأداة لا يعني أننا تعلمنا استخدامها.

وقد يكون السؤال الحقيقي: هل تطور وعينا الاجتماعي بالسرعة نفسها التي تطورت بها وسائل تأثيرنا في العالم؟


9. أزمة الهوية: هل ما زلنا مصريين كما كنا؟

أصل هنا إلى السؤال الأكثر صعوبة في هذا المقال.

ما الشخصية المصرية أصلًا؟

هل هي مجموعة من الصفات الثابتة التي انتقلت من المصري القديم إلى المصري المعاصر دون تغيير؟ أم أنها حصيلة تاريخ طويل من التفاعلات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟

أميل إلى الاحتمال الثاني.

فالمجتمع المصري لم يكن يومًا معزولًا عن العالم، ولم تتشكل ثقافته في فراغ. لقد تأثر بحضارات ولغات وأديان وإمبراطوريات وهجرات وتحولات اقتصادية وسياسية متعددة.

ومع ذلك، استطاع أن ينتج أشكالًا من الاستمرارية الثقافية والذاكرة والانتماء.

لكن الاستمرارية لا تعني الجمود.

فإذا تغيرت ملابس المصريين أو أذواقهم الموسيقية أو وسائل تواصلهم، فليس معنى ذلك بالضرورة أن هويتهم قد مُحيت.

بل إن بعض التغيرات قد تمثل تقدمًا اجتماعيًا حقيقيًا.

فالتراجع عن التمييز العنصري، أو عن العنف في التربية، أو عن احتقار المرأة، لا ينبغي اعتباره خسارة للهوية لمجرد أن هذه الممارسات كانت موجودة في الماضي.

وفي المقابل، هناك تغيرات تستحق القلق، خصوصًا إذا صاحبها تراجع في المعرفة التاريخية، أو ضعف القدرة على التفكير النقدي، أو تقلص الإنتاج الثقافي، أو فقدان الثقة في المؤسسات والآخرين.

لكن كيف نقيس هذه التحولات؟

لا يكفي أن نقول إن الأجيال الجديدة لم تعد تشبهنا. فقد قال كل جيل تقريبًا شيئًا مشابهًا عن الجيل الذي جاء بعده.

ولا يكفي أن نستعيد صور القاهرة القديمة أو أغاني الزمن الجميل لنثبت أن الماضي كان أفضل.

فالصورة لا تخبرنا بما كان يحدث خارج إطارها، والأغنية لا تكشف بالضرورة ظروف المجتمع الذي أنتجها.

وإذا أردنا أن نفهم ما تغير في الشخصية المصرية، فعلينا أن نبحث في الصحة والتعليم والعمل والأسرة واللغة والقيم والمشاركة الثقافية والثقة الاجتماعية، وأن نقارن بين الأجيال والطبقات والمناطق بدلًا من إطلاق الأحكام العامة.

قد نكتشف أن بعض الصفات التي نأسف لاختفائها لم تكن منتشرة كما نتخيل، وأن بعض الصفات التي نعتبرها جديدة لها جذور قديمة، وأن بعض التحولات التي نخشاها تحمل إمكانات إيجابية لم نتعلم رؤيتها بعد.

وربما كانت إحدى مشكلاتنا أننا نريد الحفاظ على الشخصية المصرية قبل أن نتفق على تعريفها.

فأي شخصية مصرية نريد أن نحافظ عليها؟

شخصية الفلاح الذي ارتبط بالأرض؟ أم العامل الذي انتقل إلى المدينة؟ أم المثقف الذي تعلم في الجامعة؟ أم المهاجر الذي عاش سنوات خارج مصر؟ أم الشاب الذي تشكل وعيه بين القاهرة والإنترنت؟

كل هؤلاء مصريون.

وليس من حق أحدهم أن يحتكر تعريف الهوية نيابة عن الآخرين.

والسؤال، في نهاية الأمر، ليس كيف نمنع الشخصية المصرية من التغير، وإنما كيف نميز بين ما يستحق أن يبقى فيها وما ينبغي أن نتخلص منه.


10. كيف ننجو بالشخصية المصرية؟

لم أكتب كل هذا لأثبت أن المصريين شعب مريض، ولا لأضيف تشخيصًا جديدًا إلى قائمة التشخيصات التي نتبادلها في المقاهي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

فآخر ما يحتاج إليه مجتمع يعاني من تضخم الأحكام على الآخرين هو شخص آخر يخبره بأنه يعرف ما به، وأنه وحده يمتلك العلاج.

كتبت لأنني أخشى أن نورّث أبناءنا الأمراض نفسها التي ورثناها، بعد أن نكون قد زودناها بأحدث التقنيات.

لقد استغرقنا أجيالًا في صناعة بعض أوهامنا الاجتماعية، لكن أبناءنا لم يعودوا يحتاجون إلى أجيال كي يكتسبوها. يكفي هاتف محمول، واتصال بالإنترنت، وخوارزمية تعرف كيف تستثمر الخوف والغضب والرغبة في الانتماء.

كان الأب في الماضي يحتاج إلى سنوات ليقنع ابنه بأن الآخرين يكرهونه، وأن جماعته أفضل من سائر الجماعات، وأن الاختلاف تهديد، وأن السمعة أهم من الحقيقة.

أما اليوم، فقد يجد الأب نفسه ينافس آلاف المؤثرين الذين يستطيعون أداء المهمة بكفاءة أكبر، وفي وقت أقصر، وربما دون أن يعرفوا شيئًا عن الطفل الذي يعيدون تشكيل وعيه.

فكيف نحمي الأجيال القادمة؟

هل نمنع عنها التكنولوجيا؟ وهل يمكن أصلًا أن نحمي المستقبل بالهروب منه؟

لا أظن ذلك.

إننا لا نحتاج إلى جيل يخاف من الهاتف، بل إلى جيل يعرف كيف يشك فيما يظهر على شاشته. لا نحتاج إلى أطفال يحفظون أمجاد المصريين دون أن يعرفوا تاريخهم، بل إلى أطفال يستطيعون الاعتزاز بهذا التاريخ دون أن يحتقروا تاريخ الآخرين.

نحتاج إلى تعليم لا يعاقب السؤال، وإلى إعلام لا يكافئ الكذب، وإلى أسرة لا تعتبر الطاعة دليلًا وحيدًا على حسن التربية، وإلى ثقافة تعترف بأن الاختلاف ليس مرضًا، وأن النقد ليس خيانة، وأن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من الكرامة.

لكن هذه الدعوات، على أهميتها، لا تكفي.

فقد سمعنا كثيرًا عن ضرورة إصلاح التعليم وتجديد الخطاب الثقافي وتنمية الوعي، حتى كادت هذه العبارات تتحول هي الأخرى إلى تقاليد لفظية نرددها دون أن نسأل كيف يمكن تنفيذها.

إذا كنا جادين في حماية الأجيال القادمة، فلا بد أن يصبح التفكير النقدي جزءًا من التعليم، لا مجرد موضوع في الندوات الثقافية.

ينبغي أن يتعلم الطفل كيف يتحقق من مصدر الخبر، وكيف يميز بين الرأي والحقيقة، وكيف يتعامل مع الاختلاف، وكيف يفهم أن الصورة أو الفيديو ليسا دليلًا قاطعًا على صحة ما يراه.

ونحتاج أيضًا إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والاجتماعية، وإلى تشجيع الدراسات الميدانية التي تساعدنا على فهم التحولات الفعلية في المجتمع بدلًا من الاكتفاء بالحديث عن انحطاط الأخلاق أو فساد الأجيال.

لكن الوقاية من العدوى الاجتماعية لا تبدأ في المدرسة وحدها.

إنها تبدأ أيضًا حين يتوقف المدير عن اعتبار إهانة موظفيه دليلًا على الحزم، وحين يتعلم الأب أن الاعتذار لابنه لا ينتقص من سلطته، وحين يقرر شخص تعرض للاحتقار ألا يمارس الاحتقار نفسه على من هم أضعف منه.

وتبدأ حين نتوقف عن التعامل مع طلب المساعدة النفسية باعتباره عيبًا، وعن اعتبار الغضب الدائم علامة على القوة، وعن مكافأة الشخص المتسلط لمجرد أنه ناجح أو ثري أو صاحب منصب.

فالمجتمع الذي يريد أن يقلل من الضغوط النفسية التي يتعرض لها أفراده لا يكفيه أن ينصحهم بالهدوء وضبط النفس، بينما يترك الظروف التي تنتج الإهانة والخوف والتوتر دون تغيير.

ولا يمكن أن نطلب من الناس أن يكونوا أكثر تسامحًا، ثم نضعهم في مؤسسات تكافئ العدوانية وتعاقب التعاون.

كما نحتاج إلى حماية الذاكرة الثقافية المصرية، لا بتحويلها إلى متحف مغلق، وإنما بإتاحتها للأجيال الجديدة، وتشجيعها على قراءتها ونقدها وإعادة تفسيرها.

فالهوية التي لا تتحمل الأسئلة ليست هوية قوية، وإنما بناء هش يخشى أن يلمسه أحد.

وهنا أجد نفسي مضطرًا إلى توجيه السؤال إلى الكتاب والمفكرين والباحثين والمعلمين والفنانين، وإلى كل من يشارك في تشكيل الوعي العام: ما الذي نفعله فعلًا لحماية الأجيال القادمة من هذا الميراث؟

هل يكفي أن نواصل الكتابة عن أزمة الهوية، بينما نترك تشكيل الهوية الجديدة لخوارزميات لا تعرف شيئًا عن تاريخنا ولا يعنيها مستقبلنا؟

وهل يمكن أن نطالب أبناءنا بالحفاظ على الشخصية المصرية، قبل أن نتفق نحن أنفسنا على ما يستحق الحفاظ عليه فيها، وما ينبغي أن نتخلص منه بلا أسف؟

لا أريد أن أحمي صورة وهمية للشخصية المصرية من التغيير. أريد أن نحتفظ بقدرتنا على بناء شخصية مصرية تستطيع أن تتطور دون أن تفقد ذاكرتها، وأن تنفتح على العالم دون أن تفقد قدرتها على الاختيار، وأن تتخلص من عيوبها دون أن تتنكر لأفضل ما فيها.

لقد أمضينا وقتًا طويلًا في إضافة طبقات جديدة إلى تورتة الفرح، حتى نسينا الكيكة التي بدأنا بها. وربما حان الوقت لأن نتوقف عن إطعام أطفالنا ما ورثناه دون فحص.

وأعود هنا إلى ذلك المساء الذي وقفت فيه أمام الباونسر، محاولًا إثبات أنني أستحق الدخول إلى مكان لا أعرف أصلًا إن كان يستحق كل هذا العناء.

لم يكن الرجل وحده مسؤولًا عن ذلك المشهد العبثي. كان ينفذ قواعد وضعها آخرون، في مجتمع تعلّم فيه كثيرون أن قيمة الإنسان يمكن قياسها بعنوان سكنه أو حسابه البنكي أو عدد متابعيه.

أما أنا، فقد فتحت تطبيق البنك بدلًا من أن أسأل لماذا يُطلب مني إثبات قيمتي بهذه الطريقة.

ولعل هذا هو الدرس الأكثر إزعاجًا الذي خرجت به من تلك التجربة: لسنا مجرد ضحايا للعدوى الاجتماعية، بل قد نكون ناقلين لها، حتى ونحن نعتقد أننا نرفضها.

فليس كل ما وصل إلينا من الماضي يستحق أن يصل إلى المستقبل.

وإذا لم يكن في وسعنا أن نترك لأبنائنا عالمًا خاليًا من الأمراض، فعلى الأقل ينبغي ألا نورّثهم أمراضنا ونحن نقنعهم بأنها فضائل.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حبك سفاح والمأزق الفكري

  من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟ فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.  “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟  الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليت...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

بِكاليفورنيا تَحْلُمُ

" كيف كتب جون وميشيل أغنيتهم! " نيويورك في شتاء 1963. كانت الأضواء تتكسر على الأرصفة المبتلة في المدينة التي لا تنام، والناس يهرولون تحت المظلات، يحمل بعضهم وحدته وكوب قهوة. وفي شقة صغيرة، جلس جون فيليبس قرب نافذة زجاجية، يدخن سيجارة تتلاشى بين أصابعه. بجواره جيتار يستند إلى الحائط. على الطاولة كوب شاي بارد، وجمل موسيقية مبعثرة. وقفت ميشيل أمام المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية. كانت تنظر إلى اللهب، لكن عينيها بدتا مشغولتين بشيء بعيد. قالت: «تدري، أنا مشتاقة إلى الشمس». التفت إليها: «الشمس؟ احلمي يا ميمي، الشمس هنا نقرأ عنها في الجرائد!». ابتسمت، لكنها لم تضحك. اقتربت من النافذة ونظرت إلى الشارع. «كاليفورنيا..»، قالت. راقب انعكاس وجهها على الزجاج. كان يعرف هذا الحنين الذي يلوح في عينيها. أردفت: «كان كل يومٍ هناك يشبه وعدًا بالدفء. كل شيء هنا رمادي، حتى صوتي». جلس على الكرسي، وتشبّث بجيتاره، وبدأ يعزف لحنًا بسيطًا، يدور في رأسه منذ أيام، شيئًا بين الصراخ والحنين. كان جون وزوجته ميشيل قد قدما إلى نيويورك بحثًا عن الفرص. سألها وهو يعزف: «كيف كنتِ تشعرين عندما كنتِ هناك.. في كاليفورنيا...