التخطي إلى المحتوى الرئيسي

راديو كايرو - فصل ثاني



صباح الخير


تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»:

يجب أن تفهم
أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك،
فهي مجرد قشعريرة،
ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد،
إنه أمر بدني، منطق بحت،
حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك.

بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا».

عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك.

لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذلك لموسيقى آيك روحًا خالدة.

لقد نجحا معًا في وسط علاقة غرامية ثم زوجية مشوبة بالاضطرابات والعنف والعراك المستمر، إلى أن قررت تينا إنهاء تلك الزيجة وإسدال الستار على الحب الكبير. وبعد عدة نجاحات فردية خافتة، عادت لتضرب بقوة، وصارت الأغنية تُلعب في كل محطات الراديو مثل الحمى. ما دخل الحب في ذلك؟

كان ذلك في الوقت الذي لاحت فيه بشائر دحض الشيوعية: أفغانستان تصارع الوحش السوفييتي بمباركة أمريكا، والعراق تدك إيران بمباركة أمريكا، والاحتلال الإسرائيلي يواصل سحل الفلسطينيين وبناء المستوطنات بمباركة أميركا، والقومية العربية في تلاشي مستمر، والصين تنهض لغزو العالم تجاريًا، والجدار الفاصل بين الألمانيتين على وشك الانهيار، وانقسامات وتكتلات جديدة تغير خريطة العالم السياسية استعدادًا للألفية الجديدة. بالنظر من أعلى، يمكن تلخيص الحال على كوكب الأرض في عنوان بالخط الأحمر العريض: «الشيوعية والرأسمالية في صراع من أجل البقاء».

الشيوعية حددت العلاقة بين الرجل والمرأة في إطار تقارب بيولوجي يمكن الأفراد من تكوين أسر تتعاون في بناء المجتمع، فوقيًا وتحتياً. ولأن البنية التحتية للمجتمع الشيوعي تتضمن الاقتصاد، وجهت إليها الرأسمالية صواريخ الحلم الأمريكي واستقلالية المرأة.

ظهرت موجة البوب الأمريكي بقوة، تطغى على الروك أند رول الذي كاد أن يوحد الشعوب في الستينيات، لتعلن عن شكل التقارب البيولوجي الجديد؛ التقارب الرأسمالي الذي حول المادية العاطفية إلى شكل من أشكال التقدم. في تلك الأثناء أيضًا بدأت الثورة الإلكترونية الأمريكية على يد كبرى شركات البرمجيات، وغزو العقول إلكترونيًا يجب أن يوازيه محو عاطفي يفرغ الإنسان شعوريًا ليصبح ماكينة تعمل وتدر الأموال.

كانت أبرز رائدات التفريغ هي النجمة الصاعدة مادونا، التي أعلنت عن تقدم الفتاة الأمريكية المحتم عليها استغلال كل شيء لتصل غايتها: الحب هو المفتاح السحري لعقول المراهقين، اربطي الحب بالأفكار الرأسمالية، أعيدي نظرية مارلين مونرو القائلة بأن الماسات هن أفضل صديقات المرأة، لا تنسي أن الشعر الأشقر هو الكود للفكر الجديد، اخرجي من ثوب الأنثى الخانعة، أنعشي تجارة البوب بجرأتك، كلما زادت جرأتك زاد معها رصيدك البنكي متبوعًا بتضخم نفوذك، أنت نموذج الحلم الأمريكي وبشارة انتصار الإرادة الأمريكية.

ولأن العصر قد بات لا يعرف السلام، فقد خرج البوب الثمانيناتي مشهرًا أسلحته بلا رحمة، لذلك انساق الروك خلفه ليلحق بالركب المتحضر. اغتيال جون لينون قبلها بسنوات قليلة أكد على عدم رجوع البيتلز مرة أخرى، كما أكد أن شعار «الحب والسلام» قد اندهس تحت الأقدام، مما أحدث اضطرابًا في شكل وموضوع الروك أند رول. فتخاذلت هوجة الهيبيز وثقافات الكوكايين والأفيون والماريجوانا أمام الحبوب، رمز الانتصار الكيميائي الرأسمالي.

ظهور تينا المخضرمة في ذلك التوقيت، بذلك الفكر، هدم صرعة الحب الرومانسية التي أرسى لها نجوم الروك في الستينيات والسبعينيات، ثم صعد فوق ركامها وأنقاضها ليعلن بكل انعتاق:

«ما دخل الحب في هذا؟
ما الحب إلا عاطفة ساكند هاند،
ما دخل الحب في هذا؟
من يحتاج قلبًا إذا كان القلب عرضة للانكسار؟»

تدندن روز مع الأغنية، تترك البن يتحمص وتخرج من المطبخ، تقف أمام قناة «في إتش وان». تمطوح رأسها، فيصير شعرها هائشًا، لتبدو -كما تعتقد- مثل تينا التي ظهرت في ذلك الفيديو بقصة الأسد التي راجت في ثمانينيات القرن العشرين. تشب على قدميها وتتصنع مشية تينا بالكعب العالي، كحيوان بري منطلق في شوارع مملكة نيويورك التي لا ترحب بالضعفاء. تكمل معها الكوبليه الثاني:

قد يبدو لك أنني مترددة عندما تقترب مني،
لو بدوت مذهولة
فقد قرأت في مكان ما أن لدي العذر،
يوجد مسمى لهذا، هناك عبارة تصفه،
لكن أياً كان السبب فأنت تفعل هذا من أجلي،
أوووو أوه، ما دخل الحب؟ ما دخله في هذا؟

تعود روز إلى المطبخ وتكمل دندنة، وهي تفرغ البن من المحمصة في المطحنة، وتضيف حبتين لوز. تضغط «أُن»، وبعد لحظات تضغط «أُف»، ثم تسكب الطحين في الكنكة وتضيف له الماء، ثم تضع الكنكة على النار الهادئة وتعود إلى الصالة. القناة تعرض أفضل أغنيات تينا حسب طلب الجمهور، كما هو معلن في أسفل الشاشة. كانت أغنية «ذكر تقليدي» هي التالية.

تشعر روز ببركات الصباح تعم الكرة الأرضية. تفتح البلكون وتنظر إلى النيل السعيد، تسرح قليلًا، فتتذكر أول مرة تسمع فيها أغنية «ما دخل الحب» عندما كانت صغيرة في قبرص. شغفت بمعرفة كيف تبدو صاحبة ذلك الصوت الخارق الذي سمعته في الراديو. كانت بصحبة فادي ونوال في السوق ليلًا، عندما مروا بمحل شرائط كاسيت وأسطوانات بيك أب. تسمرت أمامه، بحثت بعينيها عن اسم تينا، وجدتها، كاشفة عن ساقيها، شعرها يتخذ شكل لبدة الأسد، امرأة كاريزمية في مظهرها كما في صوتها وكلامها.

أصرت أن تشتري الألبوم، فيدخل فادي إلى المحل ليشتريه وهي تلاحقه. نوال تنتظرهما بالخارج، وتلقي على روز نظرة وداع. وداع للطفلة البريئة التي لم تعد تتعلق بالعرائس، وها هي تشتري أول شريط كاسيت من اختيارها. ولمن؟ تينا ترنر، منفرجة السيقان العارية! البنت تتقدم بها السنين!

نوال حكت لروز فيما بعد عن شعورها في تلك الليلة. لم يكن تشبث طفلة بشريط كاسيت، بل بداية لتغير يطرأ عليها. كانت سيقان تينا المتحررة تعكس رغبة روز المستقبلية. ضحكت روز وهي تستمع لنوال، فما كان تعلقها إلا بشخصية المرأة الواضحة في مظهرها. أيا كان نوع الشخصية، يتوجب ظهورها في الخارج، فما الجدوى إذن لو ظلت بالداخل؟ هكذا تكلمت روز، وهكذا كانت تينا هي النبي الذي يرشد النساء إلى الطريق القويم. وبكلمات أغنياتها ومعناها العميق والمباشر أيضًا، راحت تضع الخطوط الخضراء والحمراء في هذا الطريق. ستصبح فيما بعد أنثى بلا قلب، فمن الذي يريد قلبًا لو كان القلب عرضة للانكسار؟

تخرج من البلكونة وتقف أمام الشاشة. تينا لم تزل تشكو خسارة مواهبها الفذة مع ذكر يشبه الكثيرين من الذكور عديمي الملاحظة. تتحين روز ذلك الكورس وتغني:

افتح قلبك ودعني أدخل،
إن كل ما أريده هو تفاعل صغير،
يكفي لقلب الموازين،
أنا فقط أستغل جاذبية الأنثى بداخلي
مع ذكر تقليدي، مع ذكر تقليدي.

تدخل روز المطبخ ثم تخرج بكاسة القهوة. تفرغ بعض محتويات حقيبتها على الأرض، ثم تجلس بخفة، تقرب الفنجان من أنفها، تتبين رائحة اللوز المر، ثم تأخذ رشفة وتبتلعها على مهل. يا لهذا الصباح المفعم بالحماس..

راقصة خصوصية. تينا تصفع العالم بأغنية أخرى. هذه الأغنية تحديدًا تتخيلها روز بشكل مغاير للفيديو كليب الذي أفقد الكلمات كثيرًا من معناها العميق. تتخيلها كما تخيلتها دومًا: تقف في صالة نادي استربتيز، حبذا لو كان في شارع الهرم. هي المعلمة المخضرمة التي مر بها أشكال وألوان الرجال، تنقل حكمتها للواردات المستجدات في الكار:

«شوفي يا بت منك ليها، كل الرجالة اللي بييجوا الأماكن دي واحد، شبه بعض. ما تقلعوهمش من رجليكو، لا تبصوا في خلقتهم ولا تسألوا عن أساميهم، ما تفكروش الرجالة دول بني آدمين. بصوا بقى، إنتو ما تفكروش فيهم خالص. عايزاكي إنتِ وهي تخلي مخك في الفلوس وعينك دي على أي حاجة تانية غير الرجالة. بحلقوا في الحيطة، مفهوم؟ آه، دول حيا الله زباين، وإحنا موظفين. العواطف ممنوعة. الرد يبقى بكلمتين مش تلاتة. لما يبقى يدفع ويطلبك، تقوليله: أنا الرقاصة الخصوصية بتاعتك، هاعمل لك اللي تعوزه كله. كده يعني، لغاية أما كل واحدة ربنا يكرمها وتحوشلها قرشين، وتسيبها من الكار المهبب ده وتتستت. يعني يبقى لها راجل محترم وعيال وتبقى بني آدمة. فاهمين؟»

يرن الجوال، فتخفض روز صوت القناة.

«لك بونجورين، كيفك حبيبي؟»

إنه جوزيف. تحدثه عن خط سير يومها، ويخبرها أنه في ألبان سويسرا بيفطر مع مدام مارثا، وهيرجعوا بعد العصر. ترسل معه السلام إلى مارثا وإلى كورنيش إسكندرية، تضع الجوال جانبًا، وتعلي صوت القناة.

لا تحب أغنية «العين الذهبية» كثيرًا، وتجدها تجارية، لكن لا بأس بها كفرصة لعرض مساحة صوت تينا الخارق، الخارق لكل شيء.

تعود إلى حقيبتها وتخرج كل ما فيها وتعيد ترتيبها، وهي تدندن. يجب أن تخرج قبل العاشرة. ستمر بدار النشر لتأخذ الشغل الجديد، وبعدها تذهب لسيموندس، شارع شريف، وتجلس على رواقة. لا تستطيع العمل إلا في وسط الناس. وحدها لن تستطيع، ستشرد كثيرًا، ورئيسة قسم المواد الدرامية بتاعة القناة ستتصل لتسألها عن ترجمة المسلسل الأمريكي، وستذكرها: إن لم تلتزم بالجدية، ستسحب منها الشغل وتعطيه لمترجم آخر. المهم أن اليوم بدا جيدًا حتى الآن.

انتهت فقرة الطلبات، وتلاها برومو فقرة التسعينيات مع الموسيقى المميزة لأغنية «كرائحة روح مراهق» لفريق نرفانا.

قامت روز إلى غرفتها وبدلت ملابسها.

«كس اخت الناينتيس»، قالت.

دلفت إلى الحمام، ووضعت أحمر شفايف بلون دم الغزال، ورسمت عينيها بالكحل، ثم خرجت. أدخلت المفكرة والموبايل في الحقيبة، ثم سكرت التلفزيون وخرجت. عادت مرة أخرى وسكرت الباب بالمفتاح. يأتي الأسانسير، فتنزل إلى الشارع.

«صباح الخير يا كايرو، يا أم الدنيا.»

يضحك عم سيدهم البواب، ويتمنى لها صباح الورد، ويستوقف لها تاكسي تستقله إلى ميدان مصطفى كامل.


تضع سماعات الأيبود في أذنيها، وتستسلم لصوت شادي أدو:

«هناك امرأة في الصومال،
تغربل بحثًا عن اللآلئ في رودساي،
هناك ما هو أقوى من الطبيعة
ليبقيها على قيد الحياة،
هكذا تموت، تموت شغفًا بالبقاء،
لا أعرف مما صُنعت،
لكم أتمنى أن أصبح بمثل تلك الشجاعة،
إنها تبكي للسماء بالأعلى، هناك ثقل في قلبي،
إنها تحيا حياة لم تخترها، وهذا أمر مؤلم كحذاء جديد.»


الخطأ في علاقة كتلك التي جمعت نوال وفادي، أو لنقل السبب في فتورها، هو محاولات نوال في التماهي مع شخصية زوجها، ظنًا منها أن تلك الحيلة كفيلة بإبقائه منجذبًا إليها. والحديث عن الجاذبية المغناطيسية، وبعيدًا عن أي تنظير، نجد أن الانجذاب لا يحدث بين المتشابهين، لذلك كان طبيعيًا أن ينفر فادي، وبعده نفرت هي حينما تأكدت من الشرك الذي أوقعت نفسها فيه. كانت مجرد أنثى تملك عشقًا كامل اليأس، وكان طبيعيًا أيضًا انجذاب فادي إلى عبد اللطيف.

أما عن روز... الانجذاب يكاد يكون منعدمًا، لا يتعدى الدقائق، يبدأ بالتطرف الفكري المعتاد كقطار الملاهي، ثم يتوقف صامتًا.

روز في منتصف العشرينات ولم تدخل في علاقة، لم تنجذب لقطب مضاد. لم تجد ما تبحث عنه. وكيف يكون البحث صائبًا يا روز ولا تعرفين ما الذي تبحثين عنه؟ كيف تصلين لبرّ دون بوصلة وأنت في قلب المحيط؟ اضطراب رغبتك مبكرًا جعلك مجرد نوال أخرى، أنثى تعيش يومها وحسب، تنتظر من الحياة أي مفاجأة. والمفاجآت تحدث، والمعجزات الصغيرة تحدث لكل من حولك في الكثير من الأحيان، وخيبة الأمل أيضًا تحدث في الكثير من الأحيان الأخرى، وتسألين: لماذا لا تتوقف الحياة الآن؟!

من المؤسف اختزال كل شيء لتصبح البشرية عدمية المصير. ويصبح كل رجل ظلًا لفادي.

لم تأتِ روز إلى القاهرة بسهولة. نوال عنيدة ولا تثق برجل حتى لو كان جوزيف، واجهت الوبال الذي جلبته روز بكل شجاعة، رغم نفاد الصبر. ونفاد صبرها كأم لا يعني بالضرورة استسلامها. لقد كانت قوية بما يكفي لإدخال روز مصحة الأمراض العصبية، وتركتها ثلاثة شهور حتى يقتنع كل من هب ودب أنها كانت غير طبيعية، ليغفروا لها تجديفها وتطاولها على الأب والابن والعذرا.

تحملت نوال سباب جوزيف وفادية. كانت روز تتحول لشبح. ترفض جرعات الدواء، فتعاقب بالتقييد في الفراش، أو تُسجن في غرفة الإقامة الفردية، أو تُوضع في حمامات الماء البارد ليلًا إذا ظلت تجعر وتسب. مرت بها أسابيع بمرارة وغصة لا تتلاشى من حلقها. فكرت أن لكي تخرج من ذلك النفق الطويل، يجب أن تصبر.

روز ليست زهرة قرنفل، وإنما زهرة صبار، زهرة قُدّر لها أن تعيش في صحراء. إنها الحياة التي فُرضت عليها، وهو أمر مؤلم كحذاء جديد يدمي القدمين. وبعد أن انسحب أثر الحشيش والهروين والكحول من جسدها، خرجت لتلحق بالعام الدراسي الجديد. لم تتأذَ شعوريًا لعدم رؤية فادي، وإنما أصيبت بنوع من الحزن، حزن ينبع من عدم الحزن، عندما اكتشفت أنها لم تعد تهتم لأمره، وكأنه لم يكن موجودًا قط.

من ضمن اكتشافات تلك الفترة أنها ليست زهرة. روز مجرد اسم عبثي فُرض عليها، أما الحقيقة التي فرضت نفسها أيضًا فهي أنها فراشة خرجت من طور اليرقة. عندما سألت الحياة: لماذا لا تتوقفين الآن؟ إنما كانت تريد أن تعرف متى تتوقف الحياة بالفعل، في أي يوم وأي ساعة. رغبة فراشة في اكتشاف النار، ولكن لماذا؟ مجرد رغبة في المجهول وحسب!!

التوق لشيء لا وجود له. البرتغالية هي اللغة الوحيدة التي لديها اختزال لتلك الرغبة بكلمة واحدة. وحدهم البرتغاليون الذين لديهم براءة اختراع هذه الكلمة، ومن غيرهم كان سيستطيع ذلك؟ هؤلاء الرحالة الذين عبروا المحيطات وقطعوا القارات طولًا وعرضًا قرروا أن رغبة روز اسمها «سوداد».


ماذا تقول عن العاشق للموسيقى القديمة؟

بالطبع يفضل لفظ «كلاسيك»، قطعًا ليس مغيبًا ليتخطى حقيقة أن الكلاسيكيات هي إرهاصات التقدم في ظل افتقار التقنيات، وهو ذات السبب الذي أظهر العبقرية العقلية في خلق إبداعات سبقت عصرها، كأعمال موزار، ولوحات دافنشي، ونظريات كوبرنكس وجاليليو. لو ظهر بيتهوفن الآن، من الوارد جدًا أن يقدم سيمفونياته بشكل مختلف، بصحبة دي جي مارشميلو، مثلًا.

لا أحد ينكر فضل البدايات، لكن ما آلت إليه الأمور، رغم كل الإيجابيات، لم يحمِ الإنسان من شرور الحرب. كل هذا يعرفه، كل هذا وأكثر، لذلك تبدو البدايات طيبة، حينما يكون العالم أكثر بساطة وأقل شرًا، حينما تكون الأرض أكثر خصوبة وأقل قبحًا. هل عرف الإنسان أرضًا كتلك؟ هل جعل العالم هكذا؟ العالم أصابه الخبال، وضاعت معاني الحياة في مناورات القوى العظمى والغير عظمى والتي ترافق العظمى والتي تتملق العظمى، طاحونة لا تتوقف. أحمد يحب البدايات فقط، يحب الرحلة أكثر من الوصول لنهايتها، بعكس كل نساء حياته، العكس تمامًا.

استيقظ أحمد في الصباح مدلهمًا. خطر له أن يجد ترجمة أقرب ما تكون للمعنى الحقيقي لجملة «لوز يور سلف»: إخسر نفسك، اطلع من نفسك، اخرج من جلدك، أو شيء من هذا القبيل. ولابد من كل بد أن يكون المقال الجديد به الكثير من الجمل الثورية، مع شيء من الاجتهاد في إيجاد عبارات جديدة تمامًا وبعيدة عن العبارات المجانية مثل «أطلق المارد الذي بداخلك» و«فسح التنين وابسطه» إلخ إلخ.

كانت الهلاوس ما زالت تؤثر على حالته المزاجية. أثناء جلوسه في المرحاض ليفرغ أمعاءه، تنبه لكونه أشبه بالديك الرومي المحشو في عشية الكريسماس. ولا عجب، فبعد تدخين كل هذه الأعشاب أتى على الأخضر واليابس. كانت الليلة السابقة كحفلة أقامها التتار استعدادًا لغزو مصر، لكن عودة الرسول محبطًا بجواب قطز قد أفسدت الاحتفال، أو لعل قطز قطع رأسه ولم يعد. المهم أن أحمد لم يستسلم لغواية علي عماد وتركه ينهل من الفودكا الصافية وحده، حتى أسقط نفسه من فوق الكنبة وراح يضحك بهيستيرية، مرددًا: كسمك يا زيزي، مما أثار غضبها، فهبت ناحيته وقرفصت قابضة على مؤخرته، ثم راحت تخبط فيه وكأنها تلجه بعنف وهي تقول: خد يا متناك. وهو مستمر في الضحك: برضه كسمك يا زيزي. كسمين أمك إنت يا معرص. تذكر أحمد أنه يمتلك مقطعًا لامرأة ترفع ساقي الرجل ثم تولج عضوه في عضوها وتهم به. قام إلى حيث اللابتوب الخاص به، وبحث عن المقطع وشغله. أصابهم الوجوم، صاروا كالمنومين. الرجل منبطح على الكنبة، رافعًا ساقيه في الهواء، تاركًا المرأة تنزل وتصعد وكأنها رجل يضاجع آخر في مؤخرته. ما تعملي كده ف علي يا زيزي، قال أحمد. أنا هجيب عصاية الغلية وأحطها ف طيزك إنت وهو يا منايك. ضحك أحمد لانفعالها. هو يحب سماع السباب منها، ويفعل كل ما يستطيع ليسمع شخرها الثاقب للجدران. قال علي: ما تيجي يا زيزي، ارفعلك رجليا واديني كسين في زبي. ثم راح يضحك ويشخر، وهي غير آبهة، فقد استشاطت غضبًا بما فيه الكفاية. زحف علي إلى الحمام وراح يتقيأ، ثم حدث صوت ارتطام. هرعوا إليه، فوجدوه شبه مغشيّ عليه. تبدلت زيزي في لحظة إلى أم حنون، وأجلسته وراحت تدلك صدره. فتحت الصنبور وبلت يدها الأخرى ومسحت وجهه دون أن تشمئز من بقايا القيء على فمه وذقنه. كسم قرفك يا شيخ، قالت. تحسس عضوه وقال بتأثر شديد: مصيلي شوية. تصدق إنك عيل معرص، قالت. مد يده المتراخية إلى صدرها، فتركته يهوي على أرض الحمام من جديد، وخرجت قائلة: كسم قعدتك يا بعيد. تدخل أحمد لينهي تلك الملهاة، وأسنده حتى وصلا إلى الكنبة من جديد، فتركه يسقط عليها متفتقًا. مد علي يده إلى السحاب وفتحه وأخرج عضوه وراح يرجه. كانت دانييلا متحجرة تراقب ما يحدث. شعر أحمد بحرج، فقام يحضر بطانية يغطي بها المخبول الذي أصر أنه لن يفيق إلا لو استمنى أو وافقت زيزي على السيكوسيكو. ولأن زيزي لا تفعل السيكوسيكو مع أصدقائها المقربين، فقد بات أن الاستمناء هو الحل. لقد أفسد علي الليلة، ثم راح ينعس رويدًا رويدًا. استأذنت دانييلا ثم انصرفت إلى شقتها المقابلة لشقة أحمد، وبقي هو مع زيزي. أحمد متفتح وجنتلمان، لا يضغط على الحرمة كي تنام معه، وخصوصًا لو كانت ذات مبدأ جدير بالاحترام مثل زيزي، التي لا يمكن لصديق مقرب أن يكسر عينها. بقيا يثرثران، ثم دخل كل منهما في غرفة وناما. ماتت الليلة.

خرج أحمد من الحمام وأخذ يتذكر تفاصيل الليلة الماضية، وكيف أفسدتها الجثة المتكومة على الكنبة. سحب سيجارة وخرج إلى البلكونة المطلة على شارع قوله. كان النمل يمرح في الياسمين الهندي. تناول بخاخ الماء وراح يفسد نزهتهم، ثم ذهب وعاد بالماء وسقى كل النباتات. استند على السور وظل يراقب حركة الشارع. تسرب إلى ذهنه لمحات شاردة من سلسلة الأحلام التي عبثت بمزاجه. أشعل سيجارة أخرى.

كان في مختبر يشبه غرفة العمليات الطبية. لديه عدة جثث لسيدات يحاول بث الحياة فيهن مجددًا. في الحلم، يعني. كان لديه كل الإيمان بأهمية ما يفعله. كان يردد لنفسه ما معناه أن العالم بحاجة ماسة لاستنساخ هوني وايلدر، وكاي باركر، وليندا لوفليس، ومديحة كامل. كان معه آسيا كاريرا، رئيسة طاقم الممرضات، والذي ضم نيكي تايلر، وتينا تايلر، وجانين لندمولدر، وجينا جيمسون، وسافانا سامسون، وبريانا بانكس، وكلوي جونز.

كانت هناك محادثة طويلة مع طاقم الممرضات حول شعر عانة كاي باركر ومقاس صدرها. حاول أن يبرز لهم أهمية تلك العانة الأشهر على الإطلاق على مدار القرن العشرين، وكيف أنها انعكاس لثقافة شكلت فترة أساسية في التاريخ وليست مجرد عانة. إنها عانة كاي باركر.

انتهى أحمد من السيجارة وشخر لعقله الباطن الذي يعبث أيما عبث كلما نام. عاد يفكر في جملة «لوز يور سلف» والمقال الذي سيكتبه، بينما يداه تضعانه في الملابس وضعًا. خرج من غرفته إلى الغرفة المجاورة وانحنى على أذن زيزي وهمس لها أن تنتبه، لأنه سيذهب إلى المجلة. خرج إلى الصالة ونظر إلى المومياء المتحنطة فوق الكنبة. دخل إلى المطبخ وصب بعض العسل فوق حبوب الشوفان في طبق صغير، ثم وضعه بجوار المومياء وخرج.

كانت الساعة تقترب من التاسعة. قرع جرس دانييلا، فتحت له الباب بالكلون وحمالة الصدر. امتدت ذراعاه بشكل لا إرادي لاحتواء خصرها الضعيف النحيف، وقبلها قبلة طويلة. كانت قبلة على الريق، قبلة تحمل بكتيريا الليلة الماضية. سحبت نفسها إلى الحمام وفرشت أسنانها، وراح هو يعد قدحين من القهوة. أكملت ملابسها، وهو يصب القهوة باحثًا بعينيه عن أوراق التاروت. تناولها من فوق الرف وهي تصدر ضحكة خبيثة قصيرة.

انتهت من تنظيف طاولة الطعام، ثم جلست على قمتها، تشع هيبة تليق بالعرافة البابلية ميرت وقد جلست بين يدي الفرعون. فرشت أوراق التاروت مقلوبة. كان رمسيس الثالث يعرف الروتين جيدًا. ستطلب منه دانييلا أن يسحب ورقة تمثل له كذا، وورقة تمثل له كذا، مع مراعاة التركيز الشديد في المسألة التي تشغله.

انتهى من سحب الأوراق العشرة، وقد رصتهم هي بما يشبه علامة زائد مكونة من ستة أوراق، والأربعة الآخرين صفّتهم بجوار الزائد بما يشبه العمود. في هذا الصباح كانت الأوراق مليئة بملوك الشوم والكؤوس والنجمات الخماسية. أوراق السيوف كان لها الحضور الأكبر، لكن هناك ثلاث ورقات من باقة الأسرار العليا. الورقة التي اختارها لتفصح عن الظروف المحورية كانت ورقة برج القلعة، والورقة التي تعطي النصيحة كانت ورقة العالم، ثم ورقة العاشقين تخبر عن المحصلة النهائية.

أولت له الأوراق العشرة، ثم قالت: لا جديد.

وعبارة «لا جديد» هنا تستدعي ما سمعه في القراءات السابقة من عينة: «طالعك جيد للغاية، ولكن عليك بالخروج من جلدك والبحث عن نفسك الحقيقية».

دوامة ابتلعته تلك العبارات. ما معنى نفسك الحقيقية في وسط أحداث متلاحقة منذ سنوات بعيدة؟ فكر أحمد. أليست هي تلك الحالة التي وصل إليها وكل هذه الخبرة التي منحتها له الحياة، أم هي شيء لم يدركه بعد؟ كيف يفسر جملة «لوز يور سلف» الآن؟ هل عليه أن يجد ذاته أم يخسرها؟ تساءل. وهل من الممكن أن يجد نفسه الحقيقية لو خسرها؟

كانت دانييلا تؤكد أن المعنى واضح وبسيط، وهو أن أحمد يشبه العالم قبل اكتشاف كروية الأرض، وأنه سيدخل في تحدي الكنيسة للمهرطقين وسحرة القرون الوسطى حتى يثبت أن الأرض كروية بالفعل، وليحدث ما يحدث. إصرار دانييلا أنه ذو حظ عظيم أحكم عليه الغطاء، وبقي يصارع الدوامة في مرطبان.

يكمل قهوته وهي تنتهي من ارتداء حذائها. يخرجان معًا. تقول له إنها كانت مغيبة تمامًا بسبب البانجو الذي جلبته زيزي ليلة أمس. فيتذكر ما فعلته المومياء المتكومة بجوار طبق الشوفان بالعسل، ويتخيل كيف سيكون هذا اليوم مع وجود زيزي في الشقة. يتمنى في سره أن يعود إلى شقته ليجدها غير محترقة.

يستوقفان التاكسي. يمران بشارع محمد فريد ويتوقفان بعض الوقت حتى تنفض المشاجرة التي نشبت بين سائقي تاكسي وملاكي. «لوز يور سلف» تحولت من جملة إلى طفل يبحث أسفل كل خلية في مخه. يشعر بنفاد صبر واستسلام في الوقت نفسه. لماذا لم يستمر في أي زواج سابق، وانتهى الحال هكذا؟ لماذا لم يعش عيشًا عاديًا كهؤلاء؟ شعر بذاته تحاول جلده، فتذكر «لوز يور سلف» فنفض تلك الأفكار من رأسه. فهو لم يكن من الأسرة الملكية بأي حال، كما أنه معجب بالثورة الفرنسية، فلماذا إذن تحاول ذاته وضع رقبته تحت المقصلة؟

لمح فتاة غامضة في التاكسي المجاور، تختلس النظر إلى المشاجرة ثم تعود لقراءة شيء ما بين يديها.

روووز، صاحت دانييلا.

رووووووووز.

كانت الفتاة الغامضة لا تسمع، لأنها تضع السماعات في أذنيها، أو ربما لأنها بلا أذن كسائر مخلوقات كوكب عطارد.

أخرجت دانييلا كيس سوداني مملح صغيرًا، ومالت على صدر أحمد، ثم مدت ذراعها وقذفته من النافذة، فسقط في التاكسي المجاور عند قدمي الفتاة الغامضة.

التفتت لها الفتاة الغامضة، ثم ابتسمت في دهشة وغبطة.

صباح الخير، قالت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حبك سفاح والمأزق الفكري

  من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟ فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.  “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟  الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليت...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

بِكاليفورنيا تَحْلُمُ

" كيف كتب جون وميشيل أغنيتهم! " نيويورك في شتاء 1963. كانت الأضواء تتكسر على الأرصفة المبتلة في المدينة التي لا تنام، والناس يهرولون تحت المظلات، يحمل بعضهم وحدته وكوب قهوة. وفي شقة صغيرة، جلس جون فيليبس قرب نافذة زجاجية، يدخن سيجارة تتلاشى بين أصابعه. بجواره جيتار يستند إلى الحائط. على الطاولة كوب شاي بارد، وجمل موسيقية مبعثرة. وقفت ميشيل أمام المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية. كانت تنظر إلى اللهب، لكن عينيها بدتا مشغولتين بشيء بعيد. قالت: «تدري، أنا مشتاقة إلى الشمس». التفت إليها: «الشمس؟ احلمي يا ميمي، الشمس هنا نقرأ عنها في الجرائد!». ابتسمت، لكنها لم تضحك. اقتربت من النافذة ونظرت إلى الشارع. «كاليفورنيا..»، قالت. راقب انعكاس وجهها على الزجاج. كان يعرف هذا الحنين الذي يلوح في عينيها. أردفت: «كان كل يومٍ هناك يشبه وعدًا بالدفء. كل شيء هنا رمادي، حتى صوتي». جلس على الكرسي، وتشبّث بجيتاره، وبدأ يعزف لحنًا بسيطًا، يدور في رأسه منذ أيام، شيئًا بين الصراخ والحنين. كان جون وزوجته ميشيل قد قدما إلى نيويورك بحثًا عن الفرص. سألها وهو يعزف: «كيف كنتِ تشعرين عندما كنتِ هناك.. في كاليفورنيا...