التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حبك سفاح والمأزق الفكري

 


من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟

فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.

 “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟ 

الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليتيكال كوركتنس، المأزق ده هو محاولة إنك تقول: “أنا ضد جرائم إسرائيل بس مش ضد كل اليهود”، وتحس كأنك ماشي على حبل مشدود فوق هاوية، بينما بنيامين نتنياهو بيرمي عليك طوب من تحت ويقولك: “إنت ضدنا؟ إنت ضد الإنسانية!”.

الموضوع ده عامل زي المشي في حقل ألغام، خصوصًا لو اتكلمت في دواير مفتوحة فيها ناس من كل التوجهات. إنت عايز تعبر عن رفضك لسياسات الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، بس فجأة تلاقي نفسك متهم بمحاباة تنظيمات أو مواقف مش كلها بالضرورة بتعبر عنك. يعني لو قلت “أنا ضد إسرائيل”، هيقولوا عليك معادي للسامية، ولو قلت “أنا مع الفلسطينيين”، هيقولوا إنت مع حماس، ولو قلت “أنا مش ضد اليهود” هيقولو عليك تطبيعي ابن كلب!

هنا يبدأ الصداع. إنت مش بتقول إنك مع كل حاجة بتعملها حماس، لأن بوضوح فيه حاجات كتير ممكن تختلف معاها سياسيًا، اجتماعيًا، وحتى فكريًا. لكن في نفس الوقت، لما تتكلم ضد الاحتلال، فجأة يطلعلك ناس تقولك: “آه، إنت بقى واحد من بتوع حماس اللي بيبرروا العنف”.

المشكلة الأساسية إن النقاش بيتحول لمعركة شعارات بدل ما يكون نقاش عن الحق والباطل. إنت ضد الاحتلال، وضد القتل الممنهج، وضد الحصار. ده موقف مبدئي بسيط. لكن لما تيجي تناقش، تلاقي الخطاب العام بيحاول يختزلك في إنك يا مع إسرائيل، يا مع حماس. طيب أنا مع فلسطين، مع الناس اللي بيتقصفوا في بيوتهم، مع الأطفال اللي مالهمش ذنب، ليه ده مش خيار واضح؟

اللي بنسميه “التصحيح السياسي” أو الـpolitical correctness في العالم الغربي بيزيد الطين بلة. لأن ببساطة، لو فتحت بُقك تقول كلمة ضد إسرائيل، حتى لو كنت بتتكلم عن جرائم الاحتلال الواضحة، ممكن يتقال عليك معادي للسامية. ودي تهمة بقت بتتلوح في كل مكان زي كارت أحمر لأي حد ينتقد إسرائيل.

الفرق هنا إنك مش بتنتقد ديانة أو عرق، إنت بتنتقد كيان سياسي بيعمل جرائم يومية في حق الفلسطينيين. لكن اللي بيحصل إنهم بيخلطوا الأمور عشان يحرجوك ويكتموا صوتك.

أولًا، لازم نفهم إن نتنياهو، أبو خطابات البروباجندا وأمير اللقطة الإعلامية، عامل خطة ماكرة: أي حد ينتقد الاحتلال الإسرائيلي، فهو أكيد معادٍ للسامية. إيه؟ إنت زعلان عشان الفلسطينيين؟ أكيد بتحقد على اليهود. يعني ببساطة، عاوزك تحس إنك لو اتكلمت عن اللي بيحصل في غزة أو في الضفة الغربية، إنت بقيت شيطان رجيم بتكره البشر.

الموضوع أشبه بمشهد من فيلم أكشن رديء. نتنياهو، البطل المزيف، مجرم وماسك لي سلاح وطالع يقول: “إحنا بندافع عن نفسنا”. طب يا بيه، الدفاع عن النفس ده بيشمل قصف البيوت؟ قتل الأطفال؟ سرقة الأراضي؟ يبصلك بابتسامة ثعبان ويقولك: “دي سياسة أمنية!”.

وهنا تبدأ المشكلة. إنت، كمواطن بسيط عايش في العالم، عاوز تتكلم عن الحق، بس تخاف إنك تتصنف كإنسان متحيز أو عنصري. المعضلة دي معمولة بحرفية، كأنها كمين فكري. طول ما إنت قاعد تحاول تشرح إنك ضد الاحتلال مش ضد الدين، بتلاقي نفسك محاصر في جدال عقيم، والناس اللي بتدافع عن إسرائيل بتستخدم نفس الأسطوانة المشروخة: “إسرائيل هي الدولة الوحيدة الديمقراطية في الشرق الأوسط!”.

طب يا جماعة الديمقراطية، يعني إيه الديمقراطية دي؟ الديمقراطية دي لما تدي حقوق متساوية للكل، مش لما تحاصر شعب كامل في شوية أمتار وتمنع عنه الأكل والشرب والكهرباء. الديمقراطية مش إنك تقتل صحفيين زي شيرين أبو عاقلة، وتقف بكل بجاحة في الأمم المتحدة تقول: “إحنا عندنا الحق”.

نتنياهو مش مجرد سياسي، ده سفاح بمعنى الكلمة. طلع فوق جثث الفلسطينيين وبنا مجده السياسي على حسابهم. في كل مرة كان يلاقي نفسه في ورطة داخلية أو خارجية، يروح يفتح حرب، يقصف شوية، يقتل شوية، ويقول للإسرائيليين: “شفتوا؟ أنا اللي بحميكم”.

في حرب غزة الأخيرة، قصف مستشفيات ومدارس ومنازل. ما يهموش مين اللي بيتقتل، المهم إنه يثبت إنه الراجل القوي اللي لا يتهاون. بس الحقيقة إن القوة اللي بتبنيها على القتل عمرها ما تدوم. العالم ممكن يسكت، لكن الشعوب بتفتكر، والتاريخ ما بينساش.

حبك سفاح هنا هو الحب المزيف اللي بيتغطى بشعارات. “إحنا مش بنكره الفلسطينيين، إحنا بس بنحمي دولتنا”. طب والدولة دي مبنية على إيه؟ على أراضٍ مسروقة؟ على تهجير عائلات كاملة واحتلال بيوتهم؟ لما تيجي تسأل السؤال ده، الإجابة الوحيدة اللي بتاخدها هي: “ده تاريخي. الأرض دي بتاعتنا من آلاف السنين”.

طب كويس إننا رجعنا للتاريخ. التاريخ ده بيقول إيه؟ بيقول إن الفلسطينيين عايشين على الأرض دي برضه من آلاف السنين. مشكلتك مش مع الناس اللي موجودة، مشكلتك مع النظام اللي شايف إن قتل الأطفال عادي وإن الحصار هو الحل.

الموضوع مش معقد لو الناس عايزة تسمع. إنت مش لازم توافق على كل سياسات حماس عشان تكون مع الفلسطينيين. وفي نفس الوقت، رفضك لإسرائيل مش معناه إنك ضد اليهود. 

إنت مش محتاج تبقى عبقري عشان تفهم إن نقدي لسياسات إسرائيل مش معناه كره لليهود. الموضوع أبسط من كده، الموضوع هو الحق: احتلال وشعب محتل، بيوت بتتهد وأراضي بتتسرق،  فيه ظلم ونظام فصل عنصري واضح ونظام مبني على القتل والقمع. ونتنياهو، بحبه السفاح للسلطة، بيحاول يخليك تصدق إنك لو انتقدت كل ده، يبقى إنت المشكلة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

بِكاليفورنيا تَحْلُمُ

" كيف كتب جون وميشيل أغنيتهم! " نيويورك في شتاء 1963. كانت الأضواء تتكسر على الأرصفة المبتلة في المدينة التي لا تنام، والناس يهرولون تحت المظلات، يحمل بعضهم وحدته وكوب قهوة. وفي شقة صغيرة، جلس جون فيليبس قرب نافذة زجاجية، يدخن سيجارة تتلاشى بين أصابعه. بجواره جيتار يستند إلى الحائط. على الطاولة كوب شاي بارد، وجمل موسيقية مبعثرة. وقفت ميشيل أمام المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية. كانت تنظر إلى اللهب، لكن عينيها بدتا مشغولتين بشيء بعيد. قالت: «تدري، أنا مشتاقة إلى الشمس». التفت إليها: «الشمس؟ احلمي يا ميمي، الشمس هنا نقرأ عنها في الجرائد!». ابتسمت، لكنها لم تضحك. اقتربت من النافذة ونظرت إلى الشارع. «كاليفورنيا..»، قالت. راقب انعكاس وجهها على الزجاج. كان يعرف هذا الحنين الذي يلوح في عينيها. أردفت: «كان كل يومٍ هناك يشبه وعدًا بالدفء. كل شيء هنا رمادي، حتى صوتي». جلس على الكرسي، وتشبّث بجيتاره، وبدأ يعزف لحنًا بسيطًا، يدور في رأسه منذ أيام، شيئًا بين الصراخ والحنين. كان جون وزوجته ميشيل قد قدما إلى نيويورك بحثًا عن الفرص. سألها وهو يعزف: «كيف كنتِ تشعرين عندما كنتِ هناك.. في كاليفورنيا...