التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر, 2026

عندما احتاجت أغنية إلى دفاع!

عشر سنوات على فوز بوب ديلان بجائزة نوبل في الأدب حين أُعلن فوز بوب ديلان بجائزة نوبل في الأدب عام 2016، رأيت موجة غضب على فيسبوك وتويتر. كان بين المعترضين أشخاص أعرفهم، وكان أكثرهم لا يعرف عن ديلان شيئًا يُذكر، ولا حتى نوع الموسيقى التي يغنيها. ومع ذلك، كان الحكم جاهزًا: كيف تذهب الجائزة التي حصل عليها نجيب محفوظ وغابرييل غارسيا ماركيز إلى «كاتب أغانٍ»؟ سرعان ما بدا الأمر كأنه ترند: هيا بنا نشتم ديلان ولجنة نوبل التي منحته الجائزة. يتبادل الناس الاستهجان قبل أن يسمعوا أغنياته، أو يقرأوا كلماتها، أو يسألوا لماذا ظل اسمه مطروحًا للجائزة سنوات طويلة. ولم تكن المشكلة في الاعتراض نفسه. سؤال من نوع «هل الأغنية أدب؟» يستحق النقاش فعلًا. ما أدهشني أن كثيرين وصلوا إلى الإجابة من دون المرور بالسؤال. كان ديلان، بالنسبة إلى كثيرين ممن هاجموا فوزه، مغنيًا ضلّ طريقه إلى قاعة التكريم. الجدل، كما اكتشفت لاحقًا، لم يبدأ تلك الليلة. فمنذ التسعينيات، كتب أكاديميون ونقاد دفاعًا عن القيمة الأدبية لأعماله، وناقش آخرون أحقيته بالجائزة. وحتى بعد فوزه، لم يكن كل المعترضين من أصحاب التعليقات الغاضبة؛ بعضهم ...

رحلتان وسؤال

ماذا يجد الإنسان حين يسافر إلى الفضاء: مستقبلًا يتجاوز به نفسه، أم ماضيًا لا يستطيع الهرب منه؟ صنع ستانلي كوبريك في «2001: أوديسة الفضاء» مستقبلًا يسبق الإنسان بخطوة، واستدعى أندريه تاركوفسكي في «سولاريس» ماضيًا لا يسمح له بالتقدم. وبين الطفل النجمي الذي ينظر إلى الأرض، وهاري التي تعود من الموت، يقف الإنسان أمام السؤال نفسه من جهتين: ماذا فعلنا بما أحببنا، وماذا سنفعل بما نستطيع أن نصنعه؟ صدر «2001: أوديسة الفضاء» عام 1968، قبل هبوط الإنسان على القمر بعام، وجاء «سولاريس» عام 1972 من الاتحاد السوفيتي، الطرف الآخر في سباق الفضاء. أغرت هذه المصادفة التاريخية النقاد بتقديم الفيلمين في صورة مواجهة بين رؤيتين: أمريكية تتطلع إلى التكنولوجيا والمستقبل، وسوفيتية تعيد الاعتبار للإنسان وذاكرته. في المقارنة شيء من الحقيقة، لكنها تصبح أفقر إذا عاملنا كل فيلم بوصفه بيانًا سياسيًا باسم بلده. لم يكن كوبريك مطمئنًا إلى الآلة، ولم يكن تاركوفسكي يصنع فيلمًا عن الماضي وحده. كان كلاهما يختبر ما يحدث للإنسان عندما يواجه شيئًا يفوق قدرته على الفهم. بدأ مشروع «2001» بتعاون بين كوبريك وكاتب الخيال العلمي آرثر ...

راديو كايرو - فصل سادس

!ON AIR هذا هو راديو كايرو، وأنتم تستمعون إلى برنامج (Up Close and Personal). مساء الخير سيداتي وسادتي. سأكون معكم طوال الساعة القادمة.. اسمي أحمد خطاب. كيف حالكم يا أهل القاهرة؟ لقد طال غيابنا عنكم يا رفاق. الجو حار في الخارج، تماماً مثل أجواء برنامجنا الليلة. موضوعنا اليوم هو (Lose Yourself)؛ وبالطبع تتذكرون أغنية إيمينيم الشهيرة التي تحمل هذا الاسم... متى تغمركم اللحظة وتنسون كل شيء حولكم؟ ما الثمن الذي قد تدفعونه؟ هل تهمكم النتيجة النهائية؟ هل ستفكرون في الأمر، أم ستقفزون مباشرة؟ رقمنا هو (............). شاركونا آراءكم واستمتعوا معنا بأجمل أغاني صيف 2006.

راديو كايرو - فصل خامس

معرفة قديمة شارع قوله. محلات قطع غيار السيارات. المقهى. الورش والصنايعية. ضحكاتهم ومناوشاتهم. قطرات العرق. الشاي وسجائر كليوباترا ورائحة الطعمية. عمارات مختلفة الطرز، ومزيج من بقايا الكوزموبوليتانية والإقطاع والانفتاح. العمارة التي استقرت بها الآنسة أم كلثوم قبل أن تصبح كوكب الشرق. صوت أنفاس جدي وخطواته على الأرصفة ذهابًا وإيابًا. المكوجي والرفّا والزجّاج ما زالوا أصدقاء. لم يتغير سوى الأوجه إذن. في نهايته كان عم شوقي ينتظرني في شرفتة المطلة على حوش عثمان كتخدا. أحمد شوقي. رسام عجوز، وصديق جدي اللدود. كان قد توقف عن التدخين منذ سنوات، لكنه ما زال يحتفظ بغليونه. يضعه بين أسنانه أحيانًا، أو يشير به إلى الناس والأشياء. كنت أزور عم شوقي وأنا صغير. أجلس إلى جواره وأشاهده يرسم، ثم أملّ فأعبث بالألوان أو أقلب الكتب والصور. كان يحكي لي عن قصر عابدين، والمقاهي القديمة، والخواجات، والمطاعم التي اختفت، والنساء اللاتي كن يمشين في وسط البلد بقبعات صغيرة وقفازات، وعن جدي الذي كان، بحسب روايته، يملك قدرة خارقة على إفساد أي نقاش في الفن. — جدك ما كانش بيفهم في الفن. — وإنت كنت بتقوله كده؟ — طبعًا ...

راديو كايرو - فصل رابع

  تحت شجر المشمش كبارية كوباكابانا، حي عابدين. جلست دانييلا وروز وزيزي قبالة علي وأحمد، الذي ألقى على مسامعهم مانيفستو التوسعية والإمبريالية: «بخلاف المعنى المتداول لكلمة سياسة، ما هي السياسة؟ دعوني أقول إنها ابتكار بديل لتحرك الجيوش، أو فرض الهيمنة بشكل دبلوماسي رقيق تتقبله الحكومات عوضًا عن سفك الدماء. ولكي تستطيع فرض هيمنتك، لا بد، ومن كل بد، أن تملك القوة، والتي يمكن أن نحددها بامتلاك جيش كبير، ليس فقط في العدد وإنما في العتاد أيضًا، كأن يكون لديك أقوى سلاح. ومن ثم تتحرك لتضع يدك على منافذ الطاقة لتقطعها عن أعدائك متى تشاء، لينهار اقتصادهم، فتغرقهم بسلعك. وهنا نتطرق إلى السياسة الاقتصادية للعملة، أو بما معناه أن تحيط نفسك بأكبر كم من الذهب والبترول والقمح وخلافه». كانت دانييلا تترجم ما يقوله إلى زيزي، التي فغرت فاها ثم رقعت ضحكة خليعة، تنبّه لها رواد الكباريه. — الرقاصة فين؟ قال علي. — بعد الساعة تسعة. قالت زيزي قبل أن تنهض. تقدمت نحو المطربة. تقلصت بطنها إلى الداخل، وارتسمت نظرة الألم على وجهها. زفرة ناي ناعمة فردت عودها. مالت بخصرها يسارًا، فسقط بعض الهموم عن كتفها الأيمن، ...

راديو كايرو - فصل ثالت

  امرأة على الحائط القاهرة مدينة تتواطأ فيها الصُدف. دانييلا، التي انطلقت من روما في جولة بحثية لإعداد دراسة عن تأثير العلمانية في الأدب العربي، استأجرت شقة مارثا عطا الله بتوصية من صديقها جوزيف أنطوان وحفيدته روز.  دانييلا.. برج الجوزاء يمشي على قدمين. فرنسية الأم، إيطالية الأب. نشأت في روما وهي تظن أن التناقض جزء طبيعي من الأشياء، والتاريخ ليس شيئًا حدث وانتهى، بل شيء يواصل الحديث معك وأنت ذاهب لشراء القهوة. كان أبوها أستاذًا جامعيًا يقضى عمره في تاريخ الفن، وكان يؤمن بأن الإنسان لا يفهم المدن إلا إذا عرف ما الذي هدمته قبل أن يصل إليها. أما أمها عازفة الفيولين فكانت ترى في الأوبرا وسيلة أكثر أناقة لتجنب الحياة. كانت تقرأ كثيرًا، وتتكلم  كثيرًا، وتكره الإجابات النهائية. درست الأدب في روما، وقررت بعدها أن الحياة أكثر براعة من الإنسان. شخصيتها جامحة بالمعنى الذي لا يظهر في الملابس. لم تكن تحب أن تكون مختلفة. كانت تكره أن تكون عادية. وهذا فرق لم تفهمه إلا بعد وقت طويل. كانت تدخل في علاقات قصيرة، وتسافر فجأة، وتترك شقة لتعيش شهرًا في أخرى، وتغير موضوع بحثها كلما شعرت أن...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

راديو كايرو - فصل أول

  قنبلة عنقودية في باريس   لتبدأ الحكاية من بداية الوجع .   كان الوجع متفرقًا كقنبلة عنقودية انفجرت في صدر البنت التي أتمّت ربيعها الخامس عشر لتوّها؛ فأصابت كل لحظة قادمة من المستقبل، وعبرت من حاضرها إلى ماضيها . هلع جوزيف أنطوان من أن يرى ما سوف تراه حفيدته، فظل قابعًا في الغرفة بعدما ودّعها بحضن عميق وقبلة خاطفة . أنتِ فتاة جميلة جدًا، قال، ثم تركها بصحبة سائق السيارة الخاصة بالفندق . قفز قلبها من صدرها، بل من السيارة نفسها، وركض في الشوارع يسبقها إلى حي مونمارتر .   ظلت تنظر من النافذة، وترسل بعينيها قبلات إلى تلك العاشقة الجريئة المدعوة باريس. تلتقط منها نفحات رومانسية طالما حلمت بها منذ طفولتها، وتختزنها بسرعة في ذاكرتها الفوتوغرافية . العمارات، الدرابزينات ذات الزخارف البلجيكية المتعرجة، الجمالونات، محلات السكس، المقاهي، أزياء وأحذية وقبعات وحقائب الباريسيين والباريسيات، بائعو الزهور، أشكال الزهور وألوانها ... وكيف كان لرؤيتها الأولى لباريس وزهورها أن تمر مرور الكرام وهي التي تُدعى .. روز !

راديو كايرو - افتتاحية

  الرطوبة العالية في الظهيرة لا تُحتمل، خصوصًا مع اقتراب القمر من الأرض واختلال الجهاز العصبي لدى البشر، ولا سيما أهل القاهرة. والمشاجرة في شارع محمد فريد ليست بالأمر الجديد في الصيف القاهري المشبع بالرطوبة والاختناق المروري العنيد.   وكما كان الأمر اعتياديًا للمارة — مجرد حادث سير — كان اعتياديًا لها أيضًا أن ترى ذكرين يخرجان من حناجرهما كل ما استطاعا من تهديد وسباب. لم تكن بحاجة إلى كثير من التأمل لتدرك أن المسألة، في طبقتها الأعمق، لم تكن سوى رغبة غريزية في إثبات من يملك حق سودمة الآخر.   في ظروف أخرى، وربما أكثر هدوءًا، كان يمكن أن تراهما يتبادلان العناق والقبلات الساخنة .   ولكن قبل القبلات هناك الكبرياء الذكوري، هناك خطوات ونظريات عملية. لابد ان يثبت أحدهما تفوقه أولاً. الذكر العادي يريد أن يلفت نظر العالم بأسره إلى رجولته الخارقة بوسائل باتت محفوظة عن ظهر قلب: شعر الصدر إن وُجد، عضلات مشدودة، مشية مختالة، وصوت يعلو في كل موقف، حتى لو لم يكن في الموقف ما يستحق. وكأن عليه أن يعلن، في كل لحظة، أنه ملك الغابة ذو البيضات المدلدلة في رجل البنطلون. ولو ...

الذي أخذته القرعاء!

اعتدت العمل خلف بار المطعم الرئيسي في أمسيات الجمعة، يوم وصول الوفود الجديدة إلى الفندق. كانت تلك الليالي تتحول إلى احتفال كامل؛ الطهاة يجهزون البوفيهات، والنُدُل يرتدون الجلاليب والعمائم، وصوت المزمار والطبل الصعيدي يستقبل النزلاء القادمين من ألمانيا وروسيا البيضاء وأوروبا الشرقية. وفي خضم ذلك الصخب، كنت أراقب الوجوه الجديدة دون اهتمام حقيقي… حتى رأيتها .   اقترب شاب في العشرينيات من البار يحمل كأسين. طلب أن أملأ أحدهما بالنبيذ الأبيض، ثم ملأ الآخر بنفسه من ماكينة الماء البارد. شكرني بهدوء واتجه إلى طاولة في الركن المطل على المسرح والحديقة. كانت تنتظره هناك؛ فتاة نحيلة ترتدي سروالًا قصيرًا وقميصًا بنفسجيًا، وعلى رأسها طاقية بيضاء بالكاد تخفي رأسًا يخلو تمامًا من الشعر .   جلس قبالتها، همس لها بشيء جعلها تضحك، ثم طبع قبلة على يدها وأخرى على خدها قبل أن يبدأا الطعام، بينما كان المطعم يغص بالنزلاء المنشغلين بالكشري واللحوم والحلوى الشرقية .   بحكم موقع البار، كنت أراهما كلما رفعت رأسي. كانت الفتاة تملك عينين بلون الزئبق المشوب بالفيروز، بلا حاجبين. لم أستطع أن...