التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بِكاليفورنيا تَحْلُمُ


"كيف كتب جون وميشيل أغنيتهم!"

نيويورك في شتاء 1963.

كانت الأضواء تتكسر على الأرصفة المبتلة في المدينة التي لا تنام، والناس يهرولون تحت المظلات، يحمل بعضهم وحدته وكوب قهوة. وفي شقة صغيرة، جلس جون فيليبس قرب نافذة زجاجية، يدخن سيجارة تتلاشى بين أصابعه. بجواره جيتار يستند إلى الحائط. على الطاولة كوب شاي بارد، وجمل موسيقية مبعثرة.

وقفت ميشيل أمام المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية. كانت تنظر إلى اللهب، لكن عينيها بدتا مشغولتين بشيء بعيد.

قالت:

«تدري، أنا مشتاقة إلى الشمس».

التفت إليها:

«الشمس؟ احلمي يا ميمي، الشمس هنا نقرأ عنها في الجرائد!».

ابتسمت، لكنها لم تضحك. اقتربت من النافذة ونظرت إلى الشارع.

«كاليفورنيا..»، قالت.

راقب انعكاس وجهها على الزجاج. كان يعرف هذا الحنين الذي يلوح في عينيها.

أردفت: «كان كل يومٍ هناك يشبه وعدًا بالدفء. كل شيء هنا رمادي، حتى صوتي».

جلس على الكرسي، وتشبّث بجيتاره، وبدأ يعزف لحنًا بسيطًا، يدور في رأسه منذ أيام، شيئًا بين الصراخ والحنين.

كان جون وزوجته ميشيل قد قدما إلى نيويورك بحثًا عن الفرص.

سألها وهو يعزف:

«كيف كنتِ تشعرين عندما كنتِ هناك.. في كاليفورنيا؟».

أغمضت عينيها وابتسمت:

«كل شيء يتحرك على موسيقى. حتى وأنا وحدي، كان الهواء نفسه يعزف، والبحر يغني معه».

توقف عن العزف.

«أما الناس، فلم يخشوا الابتسام. كنت.. حيّة»، أردفت.

كان جون يقنع نفسه بأن النجاح يتطلب تضحيات، بينما شعرت ميشيل بأن تلك التضحيات فاقت قدرتها على التحمّل.

كتب بسرعة على ورقة أمامه وهمس:

اسمرّت أوراق الشجر
وتغيّمت السماء

مالت ميشيل لتقرأ، ثم رفعت رأسها بدهشة صغيرة:

«هذا جميل يا جون».

ابتسم.

عزف اللحن مجددًا، ثم حاول غناء الكلمات، مرةً، ثم ثانيةً. اقتربت هي وجلست إلى جانبه، وبدأت تدندن معه.

بدأت الموسيقى تتنفس بينهما. وسرت حرارة في أرجاء الغرفة، حملها صوت الجيتار وصوتاهما اللذان تداخلا في الهواء.

وفجأة، ضحكت بينما كانت تراقب أصابعه وهي تتحرك على أوتار القيثارة، وقالت:

«أتذكر يوم الكنيسة؟».

قال بسرعة:

توقفتُ عند كنيسةٍ
مررتُ بها في الطريق
حسنًا، جثوتُ على ركبتيَّ

ضحكت أكثر:

«لكنني لم أكن أصلي يا جون!».

استرجع كيف سحبها إلى داخل الكنيسة هربًا من البرد.

«لكن لو صلّيتِ، ربما تغيّر ما بداخلك. هذا ما خطر ببالي»، قال بودّ.

أكملت بهدوء:

وتظاهرتُ بالصلاة
القس يحب البرد
فهو يعرف أنني سأبقى

حلّ الصمت بينهما، وكأن هذه الكلمات قد أفلتت منهما اعترافًا بالعجز وبالحنين إلى شيء أبسط من الحياة نفسها.

رفعت ميشيل نظرها وقالت بصوت خافت، وكأنها تخاطب الأغنية نفسها:

«لو كنتِ هناك، في كاليفورنيا... لشعرتِ بالشمس، حتى لو كانت في خيالك».

ابتسم جون، وعاود عزف النغمة التي تحولت الآن إلى قلب الأغنية. 

نظرت ميشيل إلى الورقة وقالت: «حلم بسيط بحياة بعيدة.. لكنها ممكنة».

ثم همست باللحن:

اسمرّت أوراق الشجر
وتغيّمت السماء
خرجتُ في نزهةٍ،
في يومٍ من أيام الشتاء.
لكنتُ آمنًا دافئًا،
لو كنتُ في لوس أنجلوس.
بكاليفورنيا أحلم،
في هذا النهار الشتوي.

خرجت الكلمات من شفتيها كأنها وُلدت معها منذ الأبد.

مدّ يده نحوها وابتسم. ثم جلسا يستمعان إلى المطر وهو يهدأ شيئًا فشيئًا، وكأن الأغنية ذاتها قد امتصّت البرد من الغرفة.

في تلك اللحظة، كانت كاليفورنيا تبعد عنهما آلاف الأميال، وكانت، للمرة الأولى، قريبة بما يكفي ليسمعا أصداءها. أما نيويورك، فلم تعد تبدو رمادية بالكامل؛ فقد بدأت شمس تشرق في داخلهما من لحنٍ وُلد في البرد، وحلمٍ اسمه:

.California Dreamin’



سجّلت فرقة «The Mamas & the Papas» أغنية «California Dreamin’» عام 1965، من تأليف جون وميشيل فيليبس، وصدرت في ديسمبر من العام نفسه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حبك سفاح والمأزق الفكري

  من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟ فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.  “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟  الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليت...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

راديو كايرو - فصل رابع

  تحت شجر المشمش كبارية كوباكابانا، حي عابدين. جلست دانييلا وروز وزيزي قبالة علي وأحمد، الذي ألقى على مسامعهم مانيفستو التوسعية والإمبريالية: «بخلاف المعنى المتداول لكلمة سياسة، ما هي السياسة؟ دعوني أقول إنها ابتكار بديل لتحرك الجيوش، أو فرض الهيمنة بشكل دبلوماسي رقيق تتقبله الحكومات عوضًا عن سفك الدماء. ولكي تستطيع فرض هيمنتك، لا بد، ومن كل بد، أن تملك القوة، والتي يمكن أن نحددها بامتلاك جيش كبير، ليس فقط في العدد وإنما في العتاد أيضًا، كأن يكون لديك أقوى سلاح. ومن ثم تتحرك لتضع يدك على منافذ الطاقة لتقطعها عن أعدائك متى تشاء، لينهار اقتصادهم، فتغرقهم بسلعك. وهنا نتطرق إلى السياسة الاقتصادية للعملة، أو بما معناه أن تحيط نفسك بأكبر كم من الذهب والبترول والقمح وخلافه». كانت دانييلا تترجم ما يقوله إلى زيزي، التي فغرت فاها ثم رقعت ضحكة خليعة، تنبّه لها رواد الكباريه. — الرقاصة فين؟ قال علي. — بعد الساعة تسعة. قالت زيزي قبل أن تنهض. تقدمت نحو المطربة. تقلصت بطنها إلى الداخل، وارتسمت نظرة الألم على وجهها. زفرة ناي ناعمة فردت عودها. مالت بخصرها يسارًا، فسقط بعض الهموم عن كتفها الأيمن، ...