التخطي إلى المحتوى الرئيسي

راديو كايرو - فصل رابع

 


تحت شجر المشمش


كبارية كوباكابانا، حي عابدين.

جلست دانييلا وروز وزيزي قبالة علي وأحمد، الذي ألقى على مسامعهم مانيفستو التوسعية والإمبريالية:

«بخلاف المعنى المتداول لكلمة سياسة، ما هي السياسة؟ دعوني أقول إنها ابتكار بديل لتحرك الجيوش، أو فرض الهيمنة بشكل دبلوماسي رقيق تتقبله الحكومات عوضًا عن سفك الدماء. ولكي تستطيع فرض هيمنتك، لا بد، ومن كل بد، أن تملك القوة، والتي يمكن أن نحددها بامتلاك جيش كبير، ليس فقط في العدد وإنما في العتاد أيضًا، كأن يكون لديك أقوى سلاح. ومن ثم تتحرك لتضع يدك على منافذ الطاقة لتقطعها عن أعدائك متى تشاء، لينهار اقتصادهم، فتغرقهم بسلعك. وهنا نتطرق إلى السياسة الاقتصادية للعملة، أو بما معناه أن تحيط نفسك بأكبر كم من الذهب والبترول والقمح وخلافه».

كانت دانييلا تترجم ما يقوله إلى زيزي، التي فغرت فاها ثم رقعت ضحكة خليعة، تنبّه لها رواد الكباريه.

— الرقاصة فين؟ قال علي.

— بعد الساعة تسعة.

قالت زيزي قبل أن تنهض.

تقدمت نحو المطربة. تقلصت بطنها إلى الداخل، وارتسمت نظرة الألم على وجهها. زفرة ناي ناعمة فردت عودها. مالت بخصرها يسارًا، فسقط بعض الهموم عن كتفها الأيمن، ثم انعوج خصرها يمينًا، فسقط قليل من الهم الذي أثقل كتفها الأيسر. ارتعشت رعشة نفضت غبار السنين، ثم نظرت إلى الأعلى بسكرة النشوة، ودارت نصف دورة إلى اليسار فأوجمت. تذكرت أن الحياة لم تتغير ولم تصبح أكثر إنصافًا، وإنما هي التي صارت أخف وطأة وحسب.

نظرت إلى عيني روز، متضرعة بذراعيها. تلوت كأفعى نيلية. نظرت في عيني روز نظرة عميقة الجرح. سكتت الآلات الموسيقية ما عدا الناي. خرجت آهة من حلق المطربة تشق هيكل سليمان شقًا. زفرة ناي متقطعة، ملتاعة، تبعها صوت المطربة:

«يا صاحبي إن بعتني..

خلي التمن غالي

وعلّي سعري..

وخلي لي شرف غالي»

أمسكت بيد روز وجذبتها، فقامت لها الأخرى كحمامة بيضاء لتوها مذبوحة. ضجت طبول الفرقة الموسيقية، وقام المجلبب بمزماره الصعيدي. قام أحمد يشاركهما الرقص، ولحق بهم علي ودانييلا، فتهللت المطربة:

«يا صاحبي.. صاحبي.. يا صاحبي.. أحلى تحية لصاحبي علي بك الكبير وصُحبته الحلوة».

رشقها علي بعشر خمسات.

«الذوق العالييييييييييي... اصحي يا بلد لمعلمين وسط البلد».

— وأنا يا عين خالتك، قالت زيزي.

«زيزي عنتر أول وتاني.. زيزي.. زيزي.. زيزي».

هتف الحاضرون مع المطربة:

«زيزي.. زيزي.. عايزين زيزي».

زرفت لعلي بعبوص ثم صعدت على أقرب طاولة، وراحت ترقص. راح الجميع يصفقون.



عندما تصدعت القشرة الأرضية في عام 1992، قالوا إن هذا ما أحدث الزلزال، وهو التفسير الذي تناقلته وكالات الأنباء. لكن الحقيقة التي لم يعرفوها أن السبب هو زيزي. عندما فضّ صبري بكارتها تحت شجر المشمش، فارتعدت، تلك الرعدة التي هزت مصر بأكملها.

كانت زينب عنتر قد هربت من المنصورة قبل سنوات، دون أن تلتفت خلفها.

لم تكن تحب المنصورة. أمها تزوجت. عاشت مع أبيها وزوجته وأبنائهما في بيت لم يكن لها فيه مكان واضح. لم تكمل تعليمها في المدرسة.

وكان جمالها مشكلة أخرى.

الرجال لم يتركوها في حالها. نظرات طويلة، كلمات قذرة، وأيدٍ تمتد هنا وهناك. في الشارع، أمام المدرسة، في المواصلات، وحتى أمام البيت. النساء، من جهتهن، لم يكنّ أكثر رحمة. بعضهن كنّ ينظرن إليها كما لو أنها ارتكبت ذنبًا لمجرد أنها ولدت بهذا الوجه والجسد. كانت كثيرة العراك مع الجميع، حتى صار الجميع يقول إنها مجنونة.

أدخلها أبوها مصحة للأمراض العصبية. بقيت هناك فترة قصيرة، ثم خرجت. لم يكن عنتر غنيًا بما يكفي ليستمر في دفع تكاليف المصحة. عادت إلى البيت أكثر غضبًا.

كانت زوجة أبيها تتعامل معها بتحفظ، تراقبها كما يراقب المرء شيئًا لا يعرف متى ينفجر. وبعد فترة بدأت تبحث لها عن عريس. أما عنتر، فقرر أن الحجاب هو الحل.

في طرف القرية، كان فرح إحدى قريبات زوجة أبيها هو المناسبة التي رأت فيها زينب الرجل للمرة الأولى. كان تاجر أرز كبيرًا في السن، غنيًا، وله بطن كبيرة. قالوا لها إنه عريس كويس. كانت تنظر إليه من بعيد، ولا تفهم كيف يمكن لفتاة في عمرها أن تتزوج رجلًا كهذا.

في تلك الليلة، ظلت زينب تراقب الراقصة أكثر مما راقبت العريس. انتظرت حتى انتهت الراقصة من وصلتها، ثم اختفت خلف المسرح. اقتربت منها.

— ممكن أشتغل معاكي؟

ضحكت الراقصة في البداية، ثم لاحظت أن زينب جادة. أعطتها عنوان صاحب الفرقة في قرية سنباط.

في اليوم التالي هربت من البيت. وصلت إلى صاحب الفرقة، لكنه خاف. لم يكن يعرف من تكون، ولا ماذا فعلت كي تهرب من بيتها، وكان يخشى أن يأتي أهلها إليه، أو أن تكون قد ارتكبت مصيبة وقررت الاختباء عنده.

الراقصة التي قابلتها في الفرح لم تتركها وحدها. أعطتها بعض المال وقالت لها:

— روحي القليوبية عند صبري الأسمر.

صبري الأسمر مطرب شعبي معروف في عالم الليل والأفراح. في البداية كانت مجرد راقصة جديدة في فرقته. ثم بدأت تعرف الأماكن التي لا تظهر على الخرائط، والأفراح التي تنتهي في بيوت لا يعرف أحد ما يحدث داخلها.

حينها عرف أنها ما زالت بنت بنوت، فبدأ يوهمها بالحب والجواز.

كانت تعرف شيئًا واحدًا. أن تكون مرغوبة من الرجل الذي تختاره هي.

لم يطل الأمر.

فقدت عذريتها مع صبري، وبعدها اكتشفت أن الرجل الذي وعدها بالزواج كان متزوجًا من ثلاث نساء، وأنها لم تكن الأولى التي صدقت كلامه، ولن تكون الأخيرة.

لم تبكِ طويلًا.

البكاء لا يعيد شيئًا.

دخلت أكثر في عالم الليل. تعرفت إلى رجال كثيرين، وتجار يتحدثون عما يحملونه في سياراتهم. في أحد الأفراح الفخمة في كوم السمن، كان أحدهم يسلّم بعض البضاعة إلى رجل اسمه جمال جانشة.

ظل ينظر إليها وهي ترقص. اقترب منها. رقص معها. أعطاها رقم هاتفه.

— لو عايزة شغل كويس، كلميني.

وضعت الرقم في سوتيانها.

كان جمال كابتنًا ذا باع في كازينوهات المهندسين والعجوزة، ومتعهد لحم بلدي في شارع جامعة الدول العربية. معروفًا في مباحث الآداب. معروفًا في مباحث المخدرات.

كان مجرد رقم هاتف. كان بابًا آخر.


كان علي يعرف كازينو «سهران» كما يعرف المرء بيته. اصطحب أحمد إليه ذات مساء، بعد أن فرغا من عملهما، ولم تكن لدى أيٍّ منهما رغبة في العودة إلى البيت. كانا يحتفلان بطلاق أحمد للمرة الثانية.

جاءت زيزي إلى مائدتهما بصحبة جرسون يحمل جردل الإكسبورت المشبّر. فتحت لهما زجاجتين، وسألت إن كانا يريدان شيئًا آخر. كانت قد تركت الرقص منذ مدة، وصارت تعرف كيف تؤدي عملها من غير أن تمنح الجالسين أكثر مما تقتضيه المائدة. تفتح البيرة، وتلفّ السجائر، وتلقي الدعابات والنكات البذيئة. أما ما يطلبه الساهرون بصوت منخفض، فكانت توفره في الحال من عند كابتن جمال.

لم يكن ذلك كل ما تفعله لجمال. كانت تحشو ثيابها بالقماش حتى تبدو حاملًا، وتذهب إلى كوم السمن ببطن منتفخة، تعود منها أثقل بعدما تُخفي فيها الحشيش.

في تلك الليلة لاحظت حذاءيهما النظيفين، وطريقة أحمد في شرب البيرة. خمّنت أنه من أبناء البيوت التي تراها في الأفلام القديمة. كان علي كثير الكلام، يلحّ عليها بمزاح ثقيل، ثم يفاجئ أحمد بملاحظة حادة عن خبر قرأه في الجريدة. لم تعرف زيزي أيّ الرجلين هو علي الحقيقي. أما أحمد فكان أقل كلامًا. حين لاحظ أنها لا تشاركهما السيجارة، سألها. قالت:
— الأحشاش هنا للزباين بس.

ضحك، ولم يعاود السؤال. ارتاحت إلى ذلك.

تكررت لقاءاتهم في «سهران». أعطاها أحمد رقم هاتفه، وقال إنها حرة في زيارته متى شاءت. وأعطاها علي رقمه أيضًا، وقال:
— جيبي معاكي أحشاش.

صارت تمرّ على أحمد في شقته بشارع قوله بين الحين والآخر. تأتي أحيانًا بما طلبه هو وعلي، وأحيانًا بلا طلب، وفي الحالتين لا تدخل خالية اليدين. كانت تعرف كيف تبدّل الجو: تضع ما معها على الطاولة، وتفتح الشباك، وتسخر من وجه علي أو من رصانة أحمد.

كان علي يستقبلها دائمًا بمزاحه وهياجه. وكانت تقول له بهدوء إنها لا تنام مع أصدقائها. استغرب أولًا، ثم سألها إن كان قد صار صديقًا فعلًا. قالت:
— غصب عني.

ظل يضايقها، لكنها عرفت أنه فهم ما قالت.

لم تكن بحاجة إلى التفكير كي تشعر، وهي تصعد الدرج، أن وراء الباب أناسًا ينتظرونها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حبك سفاح والمأزق الفكري

  من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟ فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.  “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟  الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليت...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

بِكاليفورنيا تَحْلُمُ

" كيف كتب جون وميشيل أغنيتهم! " نيويورك في شتاء 1963. كانت الأضواء تتكسر على الأرصفة المبتلة في المدينة التي لا تنام، والناس يهرولون تحت المظلات، يحمل بعضهم وحدته وكوب قهوة. وفي شقة صغيرة، جلس جون فيليبس قرب نافذة زجاجية، يدخن سيجارة تتلاشى بين أصابعه. بجواره جيتار يستند إلى الحائط. على الطاولة كوب شاي بارد، وجمل موسيقية مبعثرة. وقفت ميشيل أمام المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية. كانت تنظر إلى اللهب، لكن عينيها بدتا مشغولتين بشيء بعيد. قالت: «تدري، أنا مشتاقة إلى الشمس». التفت إليها: «الشمس؟ احلمي يا ميمي، الشمس هنا نقرأ عنها في الجرائد!». ابتسمت، لكنها لم تضحك. اقتربت من النافذة ونظرت إلى الشارع. «كاليفورنيا..»، قالت. راقب انعكاس وجهها على الزجاج. كان يعرف هذا الحنين الذي يلوح في عينيها. أردفت: «كان كل يومٍ هناك يشبه وعدًا بالدفء. كل شيء هنا رمادي، حتى صوتي». جلس على الكرسي، وتشبّث بجيتاره، وبدأ يعزف لحنًا بسيطًا، يدور في رأسه منذ أيام، شيئًا بين الصراخ والحنين. كان جون وزوجته ميشيل قد قدما إلى نيويورك بحثًا عن الفرص. سألها وهو يعزف: «كيف كنتِ تشعرين عندما كنتِ هناك.. في كاليفورنيا...