تحت شجر المشمش
كبارية كوباكابانا، حي عابدين.
جلست دانييلا وروز وزيزي قبالة علي وأحمد، الذي ألقى على مسامعهم مانيفستو التوسعية والإمبريالية:
«بخلاف المعنى المتداول لكلمة سياسة، ما هي السياسة؟ دعوني أقول إنها ابتكار بديل لتحرك الجيوش، أو فرض الهيمنة بشكل دبلوماسي رقيق تتقبله الحكومات عوضًا عن سفك الدماء. ولكي تستطيع فرض هيمنتك، لا بد، ومن كل بد، أن تملك القوة، والتي يمكن أن نحددها بامتلاك جيش كبير، ليس فقط في العدد وإنما في العتاد أيضًا، كأن يكون لديك أقوى سلاح. ومن ثم تتحرك لتضع يدك على منافذ الطاقة لتقطعها عن أعدائك متى تشاء، لينهار اقتصادهم، فتغرقهم بسلعك. وهنا نتطرق إلى السياسة الاقتصادية للعملة، أو بما معناه أن تحيط نفسك بأكبر كم من الذهب والبترول والقمح وخلافه».
كانت دانييلا تترجم ما يقوله إلى زيزي، التي فغرت فاها ثم رقعت ضحكة خليعة، تنبّه لها رواد الكباريه.
— الرقاصة فين؟ قال علي.
— بعد الساعة تسعة.
قالت زيزي قبل أن تنهض.
تقدمت نحو المطربة. تقلصت بطنها إلى الداخل، وارتسمت نظرة الألم على وجهها. زفرة ناي ناعمة فردت عودها. مالت بخصرها يسارًا، فسقط بعض الهموم عن كتفها الأيمن، ثم انعوج خصرها يمينًا، فسقط قليل من الهم الذي أثقل كتفها الأيسر. ارتعشت رعشة نفضت غبار السنين، ثم نظرت إلى الأعلى بسكرة النشوة، ودارت نصف دورة إلى اليسار فأوجمت. تذكرت أن الحياة لم تتغير ولم تصبح أكثر إنصافًا، وإنما هي التي صارت أخف وطأة وحسب.
نظرت إلى عيني روز، متضرعة بذراعيها. تلوت كأفعى نيلية. نظرت في عيني روز نظرة عميقة الجرح. سكتت الآلات الموسيقية ما عدا الناي. خرجت آهة من حلق المطربة تشق هيكل سليمان شقًا. زفرة ناي متقطعة، ملتاعة، تبعها صوت المطربة:
«يا صاحبي إن بعتني..
خلي التمن غالي
وعلّي سعري..
وخلي لي شرف غالي»
أمسكت بيد روز وجذبتها، فقامت لها الأخرى كحمامة بيضاء لتوها مذبوحة. ضجت طبول الفرقة الموسيقية، وقام المجلبب بمزماره الصعيدي. قام أحمد يشاركهما الرقص، ولحق بهم علي ودانييلا، فتهللت المطربة:
«يا صاحبي.. صاحبي.. يا صاحبي.. أحلى تحية لصاحبي علي بك الكبير وصُحبته الحلوة».
رشقها علي بعشر خمسات.
«الذوق العالييييييييييي... اصحي يا بلد لمعلمين وسط البلد».
— وأنا يا عين خالتك، قالت زيزي.
«زيزي عنتر أول وتاني.. زيزي.. زيزي.. زيزي».
هتف الحاضرون مع المطربة:
«زيزي.. زيزي.. عايزين زيزي».
زرفت لعلي بعبوص ثم صعدت على أقرب طاولة، وراحت ترقص. راح الجميع يصفقون.
عندما تصدعت القشرة الأرضية في عام 1992، قالوا إن هذا ما أحدث الزلزال، وهو التفسير الذي تناقلته وكالات الأنباء. لكن الحقيقة التي لم يعرفوها أن السبب هو زيزي. عندما فضّ صبري بكارتها تحت شجر المشمش، فارتعدت، تلك الرعدة التي هزت مصر بأكملها.
كانت زينب عنتر قد هربت من المنصورة قبل سنوات، دون أن تلتفت خلفها.
لم تكن تحب المنصورة. أمها تزوجت. عاشت مع أبيها وزوجته وأبنائهما في بيت لم يكن لها فيه مكان واضح. لم تكمل تعليمها في المدرسة.
وكان جمالها مشكلة أخرى.
الرجال لم يتركوها في حالها. نظرات طويلة، كلمات قذرة، وأيدٍ تمتد هنا وهناك. في الشارع، أمام المدرسة، في المواصلات، وحتى أمام البيت. النساء، من جهتهن، لم يكنّ أكثر رحمة. بعضهن كنّ ينظرن إليها كما لو أنها ارتكبت ذنبًا لمجرد أنها ولدت بهذا الوجه والجسد. كانت كثيرة العراك مع الجميع، حتى صار الجميع يقول إنها مجنونة.
أدخلها أبوها مصحة للأمراض العصبية. بقيت هناك فترة قصيرة، ثم خرجت. لم يكن عنتر غنيًا بما يكفي ليستمر في دفع تكاليف المصحة. عادت إلى البيت أكثر غضبًا.
كانت زوجة أبيها تتعامل معها بتحفظ، تراقبها كما يراقب المرء شيئًا لا يعرف متى ينفجر. وبعد فترة بدأت تبحث لها عن عريس. أما عنتر، فقرر أن الحجاب هو الحل.
في طرف القرية، كان فرح إحدى قريبات زوجة أبيها هو المناسبة التي رأت فيها زينب الرجل للمرة الأولى. كان تاجر أرز كبيرًا في السن، غنيًا، وله بطن كبيرة. قالوا لها إنه عريس كويس. كانت تنظر إليه من بعيد، ولا تفهم كيف يمكن لفتاة في عمرها أن تتزوج رجلًا كهذا.
في تلك الليلة، ظلت زينب تراقب الراقصة أكثر مما راقبت العريس. انتظرت حتى انتهت الراقصة من وصلتها، ثم اختفت خلف المسرح. اقتربت منها.
— ممكن أشتغل معاكي؟
ضحكت الراقصة في البداية، ثم لاحظت أن زينب جادة. أعطتها عنوان صاحب الفرقة في قرية سنباط.
في اليوم التالي هربت من البيت. وصلت إلى صاحب الفرقة، لكنه خاف. لم يكن يعرف من تكون، ولا ماذا فعلت كي تهرب من بيتها، وكان يخشى أن يأتي أهلها إليه، أو أن تكون قد ارتكبت مصيبة وقررت الاختباء عنده.
الراقصة التي قابلتها في الفرح لم تتركها وحدها. أعطتها بعض المال وقالت لها:
— روحي القليوبية عند صبري الأسمر.
صبري الأسمر مطرب شعبي معروف في عالم الليل والأفراح. في البداية كانت مجرد راقصة جديدة في فرقته. ثم بدأت تعرف الأماكن التي لا تظهر على الخرائط، والأفراح التي تنتهي في بيوت لا يعرف أحد ما يحدث داخلها.
حينها عرف أنها ما زالت بنت بنوت، فبدأ يوهمها بالحب والجواز.
كانت تعرف شيئًا واحدًا. أن تكون مرغوبة من الرجل الذي تختاره هي.
لم يطل الأمر.
فقدت عذريتها مع صبري، وبعدها اكتشفت أن الرجل الذي وعدها بالزواج كان متزوجًا من ثلاث نساء، وأنها لم تكن الأولى التي صدقت كلامه، ولن تكون الأخيرة.
لم تبكِ طويلًا.
البكاء لا يعيد شيئًا.
دخلت أكثر في عالم الليل. تعرفت إلى رجال كثيرين، وتجار يتحدثون عما يحملونه في سياراتهم. في أحد الأفراح الفخمة في كوم السمن، كان أحدهم يسلّم بعض البضاعة إلى رجل اسمه جمال جانشة.
ظل ينظر إليها وهي ترقص. اقترب منها. رقص معها. أعطاها رقم هاتفه.
— لو عايزة شغل كويس، كلميني.
وضعت الرقم في سوتيانها.
كان جمال كابتنًا ذا باع في كازينوهات المهندسين والعجوزة، ومتعهد لحم بلدي في شارع جامعة الدول العربية. معروفًا في مباحث الآداب. معروفًا في مباحث المخدرات.
كان مجرد رقم هاتف. كان بابًا آخر.
كان علي يعرف كازينو «سهران» كما يعرف المرء بيته. اصطحب أحمد إليه ذات مساء، بعد أن فرغا من عملهما، ولم تكن لدى أيٍّ منهما رغبة في العودة إلى البيت. كانا يحتفلان بطلاق أحمد للمرة الثانية.
جاءت زيزي إلى مائدتهما بصحبة جرسون يحمل جردل الإكسبورت المشبّر. فتحت لهما زجاجتين، وسألت إن كانا يريدان شيئًا آخر. كانت قد تركت الرقص منذ مدة، وصارت تعرف كيف تؤدي عملها من غير أن تمنح الجالسين أكثر مما تقتضيه المائدة. تفتح البيرة، وتلفّ السجائر، وتلقي الدعابات والنكات البذيئة. أما ما يطلبه الساهرون بصوت منخفض، فكانت توفره في الحال من عند كابتن جمال.
لم يكن ذلك كل ما تفعله لجمال. كانت تحشو ثيابها بالقماش حتى تبدو حاملًا، وتذهب إلى كوم السمن ببطن منتفخة، تعود منها أثقل بعدما تُخفي فيها الحشيش.
في تلك الليلة لاحظت حذاءيهما النظيفين، وطريقة أحمد في شرب البيرة. خمّنت أنه من أبناء البيوت التي تراها في الأفلام القديمة. كان علي كثير الكلام، يلحّ عليها بمزاح ثقيل، ثم يفاجئ أحمد بملاحظة حادة عن خبر قرأه في الجريدة. لم تعرف زيزي أيّ الرجلين هو علي الحقيقي. أما أحمد فكان أقل كلامًا. حين لاحظ أنها لا تشاركهما السيجارة، سألها. قالت:
— الأحشاش هنا للزباين بس.
ضحك، ولم يعاود السؤال. ارتاحت إلى ذلك.
تكررت لقاءاتهم في «سهران». أعطاها أحمد رقم هاتفه، وقال إنها حرة في زيارته متى شاءت. وأعطاها علي رقمه أيضًا، وقال:
— جيبي معاكي أحشاش.
صارت تمرّ على أحمد في شقته بشارع قوله بين الحين والآخر. تأتي أحيانًا بما طلبه هو وعلي، وأحيانًا بلا طلب، وفي الحالتين لا تدخل خالية اليدين. كانت تعرف كيف تبدّل الجو: تضع ما معها على الطاولة، وتفتح الشباك، وتسخر من وجه علي أو من رصانة أحمد.
كان علي يستقبلها دائمًا بمزاحه وهياجه. وكانت تقول له بهدوء إنها لا تنام مع أصدقائها. استغرب أولًا، ثم سألها إن كان قد صار صديقًا فعلًا. قالت:
— غصب عني.
ظل يضايقها، لكنها عرفت أنه فهم ما قالت.
لم تكن بحاجة إلى التفكير كي تشعر، وهي تصعد الدرج، أن وراء الباب أناسًا ينتظرونها.
تعليقات