يتضمن المقال كشفًا لأحداث الرواية ونهايتها.
دفعتني إلى قراءة رواية «المختفون» لمارلون جيمس إشادة نقدية كان من المستحيل تجاهلها دون إثارة الفضول؛ فقد وصفها دوايت غارنر، الناقد في صحيفة «نيويورك تايمز»، بأنها رواية العقد، بل ربما رواية القرن. صحيح أن القرن لم ينتهِ بعد، لكن يبدو أن الناقد قد حسم أمره بالفعل؛ بافتراض أن القرن سينتهي في غضون أشهر قليلة، في حال اندلاع حرب عالمية ثالثة!
ما لفت انتباهي هو أن الرواية تتجاوز بكثير إطارها المعتاد كقصة تدور حول الهوية والقمع؛ فهي تغوص في حياة مجموعة من الرجال المثليين في جامايكا، ومن خلالهم تعيد بناء حقبة زمنية بكل ما فيها من ثقافة وفنون وتصورات حول الجسد والرجولة والدين والسلطة. ومن قلب هذا الوسط تحديدًا، تطرح الرواية تساؤلًا أوسع: كيف يمكن لفعل عنف واحد أن يغيّر مسار حياة المرء، ويستمر في تشكيل مصيره — ومصائر الآخرين أيضًا — لفترة طويلة بعد وقوع الحدث نفسه؟
تمتد الرواية في خمسة أقسام من ١٩٨٨ إلى ٢٠٠٥، وتبدأ بتجمُّع رجال للعمل على مسرحية جون هربرت «حظوظ البشر وأعينهم» (Fortune and Men’s Eyes)، التي تدور أحداثها داخل أحد السجون. ويُروى ذلك من خلال يوميات إدموند «إيدي» بورتيوس؛ وهي يوميات تكشف — بإسهابٍ وافٍ وتفاصيل دقيقة — عن مراهقٍ يستكشف نفسه من الداخل والخارج، ويستكشف في الوقت نفسه العالم من حوله في مدينة كينغستون عام ١٩٨٨. ويصف إدموند تفاصيل جسده، مصحوبةً بسلسلة من الأفكار التي تلازم هذه التفاصيل؛ فهو شاب يحاول فهم ذاته من خلال تكوينه الجسدي، بينما يسعى في الوقت ذاته إلى تحديد وترتيب طبيعة علاقته بما يعرفه.
تستطيع لغته أن تحمل الرغبة والمشاكسة وتمنح عالمه كثافة شعرية، مع بقائها لغة الشاب نفسه. مع ذلك سألت نفسي عن كثرة المراجع الأمريكية: الموسيقى والأفلام والمسلسلات والملابس. هل إيدي «متأمرك»؟ قد تجعل هذه الإشارات الرواية أكثر ألفة للقارئ الأمريكي. وأُبقي هذا الاحتمال سؤالًا، لأن النص لا يمنحني حق تقرير نية الكاتب.
يولّد الجهلُ بالطبيعة الحقيقية لمرض الإيدز رهابًا جماعيًا، وهو أمرٌ يتجلى بوضوح في اليوميات؛ فعلى سبيل المثال، يتجنب بعض الطلاب استخدام مبردة المياه، ظنًا منهم أن شخصًا مثليًا قد استخدمها. وطوال الرواية، يظل الخوف من الإيدز كاشفًا للثقافة السائدة آنذاك.
تكشف المسرحية عن خيوط مفهوم الرجولة التي تتخلل الرواية؛ إذ يبدي بعض الرجال مقاومةً لتأدية أدوارٍ يرونها أنثويةً أكثر مما ينبغي، رغم أنهم اجتمعوا خصيصًا لتقديم عملٍ يتمحور حول العلاقات بين الرجال. وتبرز داخل المجموعة نفسها خلافاتٌ تكشف عن مخاوف كل فردٍ منهم من الصورة التي قد يعكسها المسرح عنه. وتُعزِّز بيئة السجن هذه المفارقة؛ فالسلوكيات بين الرجال — التي تُجرَّم في العالم الخارجي — تظهر داخل السجن كفضاءاتٍ للرغبة والإكراه والهيمنة. ومع أن العلاقات القائمة على التراضي تختلف جوهريًا عن الاغتصاب، يظل السؤال مطروحًا: إلى أي مدى يرتبط تعريف الرجولة بالقدرة على إخضاع جسد الآخر؟
يقع الاعتداء في القسم الثاني، حين يقتحم رجال مكان التدريب.
تتغير زاوية السرد؛ فنسمع أصوات المعتدين وهم ينفذون فعلهم ويقدمون مبرراتهم. تبرز في هذا الجزء المذهل من الرواية جوقة من الأصوات المتمايزة. تتنوع الدوافع؛ فمنهم من يسعى لإثبات رجولته عبر إذلال من يراهم خارج نطاقها، ومنهم من يستند إلى شرعية دينية متخيلة، وآخرون ينجرفون ببساطة مع الحشود، بينما يحاول بعضهم إنكار ميله نحو الرجال بمهاجمتهم بعنف. وفي إحدى الحالات، يتحول التبرير من «ما يقوله الكتاب المقدس» إلى «ما يقوله الواعظ»؛ وهي لحظة تكشف مسار السلطة، متتبعةً إياه من التفسير وصولًا إلى اليد التي توجه الضربة. وفي صوت آخر، يطغى هوسٌ جنسي على التفاصيل ذاتها التي يدعي المتحدث أنها تثير اشمئزازه؛ إذ يصبح العنف بالنسبة لهذه الشخصية محاولةً لسحق رغبةٍ لا يجرؤ على الاعتراف بها.
وفي غضون ذلك، تتسلل أغاني «ستريغا دون» إلى مجريات الأحداث، لتتحول إلى خطاب كراهية وأداة للاستعراض والتباهي بالقوة. فهي تمنح الفرد شعورًا بالقدرة، فضلًا عن إحساس بأنه يؤدي واجبًا ما. وقد ربط بعض النقاد هذا الخطاب بأغنية «Boom Bye Bye» لبوجو بانتون، التي تضمنت تحريضًا على قتل المثليين واشتهرت خلال تسعينيات القرن العشرين.
تتشابك الرجولة والدين والسلطة بشكل وثيق؛ إذ تغرس المؤسسات والأعراف الاجتماعية — التي أُنشئت ظاهريًا لحماية الحياة — في نفوس بعض الأفراد قناعةً بأن أجساد الآخرين متاحة لهم لاستغلالها. وما يتكشف خلال جلسة التدريب يوضح بجلاء ما يمكن لهؤلاء الرجال الإقدام عليه حين يؤمنون بأن مجتمعهم يقف في صفهم.
في عام ١٩٩٤، يصبح البحث عن مات تشين وأورين تيرنر — اللذين اختفيا عقب الاعتداء — محورًا رئيسيًا في القسم الثالث من العمل. يتتبع إيدي وجوردان ما تبقى من أثرهما، بينما تتخلل السردَ مقابلاتٌ أجرتها الصحفية بيتا غاي بيرك. تُغيّر هذه المقابلات طبيعة العلاقة مع الماضي؛ إذ تصبح الكلمات موجهةً نحو مستمعٍ قد يطرح الأسئلة، ويقدم التأويلات، وينشر الشهادات. فالذاكرة تنتقي ما تشاء، والغضب يعيد تشكيل الرواية، بينما تمنح السخرية وسيلةً للاقتراب من الألم والتراجع عنه.
في الوقت ذاته، يلجأ جوردان إلى كتاب جون ريتشي «الخارج عن القانون جنسيًا» (The Sexual Outlaw) في محاولةٍ لفهم قضايا الجنس والتمرد. تارةً يتمسك بالأفكار الواردة فيه، وتارةً أخرى يجدها تتصادم مع واقعه المعاش. تكشف الكتب التي يقرؤها عما يرغب في تصديقه عن نفسه، وفي الوقت ذاته تفضح الفجوة بين تصوره لذاته وتجربته الفعلية.
ومن شهادته تبرز العبارة الأكثر رسوخًا:
«هكذا تقتلُ رجلًا ميتًا».
يتحدث هنا عن التغطية الصحفية التي أعادت صياغة مقتل إحدى شخصيات الرواية ليظهر كفضيحةٍ جنسية، فيقول:
«كان القتلُ هو الجزء السهل؛ لم يستغرق سوى تسعين دقيقة».
أما اغتيال السمعة، فيستمر سنوات.
في رسائل عام ١٩٩٩، يبرز هافلوك تيتوس إلى الواجهة. كان قد سافر إلى بريطانيا وهو في حالة صحية متردية، متوقعًا دنو أجله، لكن العلاج الطبي أعاد إليه فرصة الحياة. ومع عودته إلى جامايكا، تستحضر رسائله ذكريات أكسفورد ولندن؛ مسترجعةً علاقاتٍ قديمة وتجارب مع العنصرية. وفي هذا القسم، يقدم هافلوك شرحًا أوضح لبعض أجزاء الأقسام السابقة، ويكشف أيضًا عن قلقه من سلسلة الهجمات الانتقامية التي يشنّها جوردان، متعقبًا بعض المعتدين وأشخاصًا ارتكبوا اعتداءات بدافع كراهية المثليين.
عام ٢٠٠٥. يحتجز جوردان المغني ستريغا دون رهينةً لديه، ويسرد عليه تفاصيل الاعتداءات التي تعرض لها. كما يوجه حديثه إلى غاريث — الذي فارق الحياة — وكأنه يخوض حوارًا ثلاثيًا. تتكرر التحيات الصباحية والمسائية، وتتداخل الخطوط الزمنية؛ فبينما يمضي العالم قدمًا، يظل جوردان حبيس عام ١٩٨٨. إنه يسعى لأن يتذكر المعتدي ما حدث؛ فربما لا يعدو الحدث الذي دمر حياةً بأكملها كونه واقعةً عابرةً لا شأن لها في ذاكرة الجاني.
ينشد جوردان اعترافًا بالواقعة، لكنه لا يحصل عليه أبدًا. ثم يظهر هافلوك، لتنكشف الحقيقة: المغني ميت منذ أسابيع، بينما يواصل جوردان تخيله حيًا ويستمر في محاورته. أما المكان الذي وصفه جوردان بأنه بناءٌ شيده بنفسه، فليس في الواقع سوى موقعٍ قديم كان يخص أعمال عائلته، ويضم بين جنباته مشرحةً للموتى. تفرض هذه الحقيقة إعادة تقييم كل ما قُرئ سابقًا؛ إذ يتبين أن صوت السارد — الذي كان بمثابة الركيزة — عاجزٌ عن التشبث بالواقع.
وفي مسارٍ موازٍ، يظهر مات تشين، رجلٌ عاش متخفيًا تحت أسماء مستعارة عدة. ففي فلوريدا، وأثناء لقاءٍ جنسي، يتعرض لمحاولة خنق، فيرد الهجوم بضرباتٍ قاتلة، ثم يعود أدراجه إلى جامايكا. يخلق استخدام ضمير المخاطب «أنت» مسافةً بينه وبين تجربته؛ فبينما يظل الجسد حاضرًا، يبدو وعيه وكأنه يخاطبه من الخارج.
تنتهي الرواية بزيارة مات — الذي يتخذ الآن اسم «روبرت هولمز» — لإيدي، الذي أصبح محاميًا؛ لكن إيدي لا يتعرف عليه. تبدأ الإشارات إلى الماضي في التراكم: إلى مخرج المسرح، والشارع، وعام ١٩٨٨، حتى يشرع مات في إلقاء أبياتٍ من سونيتة شكسبير التاسعة والعشرين، التي استُمد منها عنوان مسرحية جون هربرت. يكمل إيدي بقية الأبيات، فيستعيدان بذلك الرابط الذي كان قد فُقد.
«أنا سميتي. لا بد أنك مونا».
تُعيد هذه الأسماء — المستمدة من أدوارٍ قديمة أدّياها — إحياءَ ذكرى لم يكن بوسع أي وجهٍ أو اسمٍ حقيقي أن يستحضرها. يثبت الرجل وجوده عبر كلماتٍ من مسرحيةٍ لم يكتمل عرضُها قط؛ وتُضفي هذه النهاية على لقائهما ثقلًا مشحونًا بالحزن، يحمل في طياته كل ما ضاع وفُقد في الفترة الفاصلة بين ذلك التدريب المسرحي وهذا المكتب.
جيمس، الروائي الجامايكي، فاز بالبوكر سنة ٢٠١٥. صدرت «The Disappearers»، روايته السادسة، في سبتمبر ٢٠٢٦. أستطيع فهم هذا الاحتفاء حين أنظر إلى ما يفعله اختلاف الأشكال السردية: يوميات تقرّبني من وعي شاب. أصوات تكشف صناعة المبرر. مقابلات تختبر الذاكرة بعد مرور السنوات. ورسائل توسّع التاريخ. أما اضطراب السرد الأخير فيزعزع ثقتي ويدفعني إلى إعادة النظر في تفاصيل ظننتها مستقرة؛ فأكتشف أن الماضي قادر على تشكيل الحاضر إلى حد أن يختلط في وعي الشخصية ما تتذكره بما تعيشه، وما تخشاه بما يحدث فعلًا.
أثر العنف هو ما يصل هذه الحياة المحددة بسؤال يتجاوزها. لا تنتهي الواقعة بخروج المعتدين؛ تواصل عملها في الرغبة والثقة والذاكرة، وتدفع شخصًا إلى المنفى، وآخر إلى الانتقام، وتترك آخر يختبئ حتى من اسمه. ولا يحتاج القارئ إلى مشاركة الشخصيات هويتها لكي يفهم ما يعنيه أن تُنتزع منه القدرة على الاطمئنان إلى العالم.
من ينتظر حكاية لطيفة قد تنفّره صراحة الرواية الجنسية وعنفها، ومن اعتاد هذا النوع قد يجد الصدمة أقل حدة. يبقى ما يمنحها وزنًا هو علاقتها بما ترويه عن الجسد والذاكرة والمصير، وقدرتها على أن تجعلني أرى كيف تستمر لحظة عنف واحدة في صناعة سنوات لا تشبه بعضها، وكيف يمكن أن يبقى الإنسان حيًا وهو يفقد أجزاء من حياته.
المختفون ليسوا المتغيّبين وحدهم؛ قد يكونون بين الناس، لكن العنف أجبرهم على إخفاء هويتهم، أو حبسهم في ماضٍ لم يستطيعوا مغادرته.

تعليقات