توقف المطر، وعبق الهواء برائحة التراب.
تلك الرائحة التي سمّاها عالمان أستراليان"بيتريكور"، مشتقة من كلمتين يونانيتين: بيتروس للحجر، وإيكور للسائل الأثيري الذي كان يتدفّق في عروق الآلهة والخالدين.
أطلّ
الرجل من النافذة نحو الزرع والجدول. تراجع خطوة، ثم اتجه إلى الباب وفتحه ببطء،
كأنما يخشى أن يوقظ الصباح.
خرج
إلى الهواء المبتلّ، وراح يتأمل المشهد في سكونٍ. كانت السماء ملبّدة بغيومٍ
رماديةٍ خفيفة، تميل إلى البياض، وتُفلتر الضوء حتى صار صافياً كروحٍ خرجت للتو من
صلاتها. بات الأفق جليًّا، والكون كأنه صفحة جديدة تتهيأ للكلمات الأولى.
نظر الرجل إلى الهضاب الخضراء البعيدة، حيث يمتدّ قوس قزح مثل شفاه حزينة. رأى النباتات ترقص على أنغام الريح فوق القمم لتثبت للحياة أنها ما زالت هنا. مال برأسه للخلف وظل على هذا الوضع قليلا، تاركاً نفسه لحبات الماء تتدلى من الجزء البارز من قرميد سقف الكوخ، وتسقط فوق جبينه الحار وتتماهى مع حبات العرق.
أخرج زفيرًا عميقًا، ثم التقط الفأس ومضى حافيًا في الممشى الضيّق الزلق بين شتلات الأرز المبعثرة. توقّف ليفكّر: ماذا عساه أن يفعل وقد عربدت الأمطار خمس عشرة ساعة متواصلة؟ لقد أتلفت كمياتٍ مريعةً من الزرع، وجعلت التربة ناعمةً كالمخاط. مدّ بصره حتى نهاية الحقل، فرأى في البعيد بعض الزرع ما زال على قيد الحياة.
لحق به ابنه الصبي، راح ينظر حوله ثم إلى عيني أبيه في
حيرة. مشى الرجل بضع خطوات، وتبعه الصبي إلى الجدول، حيث ارتفع منسوب الماء وفاض
بعد تلك الأمطار الطويلة. كان التيار العكر يجري بلا توقّف. فكر الرجل أن العكر لن
يصفو قبل مضي بعض الوقت حتى تنتهي الهضاب من طرد المياه نحو المنخفض. رفع بصره إلى
السماء، وظن أن الأمطار تأخذ قسطا من الراحة ثم نظر الى عيني ولده المملوءتين
بالحزن والاستسلام. تذكر أن الأمطار ستعود مرةً أخرى، وأن كل محاولاتهما لإنقاذ
الزرع ستذهب أدراج الرياح. شعر أن الفأس أثقل من أن يُرفع، فأسنده إلى الأرض،
وتركه هناك. ثم سار
ببطءٍ نحو الجدول، حتى غاب في هدير الماء، وبقي الصبي وحده، ينظر إلى حيث اختفى
أبوه.
تعليقات