التخطي إلى المحتوى الرئيسي

راديو كايرو - فصل أول

 


قنبلة عنقودية في باريس

 


لتبدأ الحكاية من بداية الوجع.

 

كان الوجع متفرقًا كقنبلة عنقودية انفجرت في صدر البنت التي أتمّت ربيعها الخامس عشر لتوّها؛ فأصابت كل لحظة قادمة من المستقبل، وعبرت من حاضرها إلى ماضيها.

هلع جوزيف أنطوان من أن يرى ما سوف تراه حفيدته، فظل قابعًا في الغرفة بعدما ودّعها بحضن عميق وقبلة خاطفة. أنتِ فتاة جميلة جدًا، قال، ثم تركها بصحبة سائق السيارة الخاصة بالفندق.

قفز قلبها من صدرها، بل من السيارة نفسها، وركض في الشوارع يسبقها إلى حي مونمارتر. 

ظلت تنظر من النافذة، وترسل بعينيها قبلات إلى تلك العاشقة الجريئة المدعوة باريس. تلتقط منها نفحات رومانسية طالما حلمت بها منذ طفولتها، وتختزنها بسرعة في ذاكرتها الفوتوغرافية.

العمارات، الدرابزينات ذات الزخارف البلجيكية المتعرجة، الجمالونات، محلات السكس، المقاهي، أزياء وأحذية وقبعات وحقائب الباريسيين والباريسيات، بائعو الزهور، أشكال الزهور وألوانها...

وكيف كان لرؤيتها الأولى لباريس وزهورها أن تمر مرور الكرام وهي التي تُدعى.. روز!


ولدت ماري روز في بيروت أواخر السبعينيات.

أصر فادي جوزيف أنطوان على هذا الاسم لسببين؛ أولهما أنها ولدت في أول الربيع، والثاني لعشقه المفرط وقلبه المتهافت على كل ما هو فرنسي. لعل الطفلة التي ولدت في أول الربيع تجعل الحياة باللون الزهري، كما تقول إديث بياف في أغنيتها الخالدة.

وهكذا حملت المولودة الضئيلة اسم روز.

هل حملت معها أيضًا جينات التمرد من أبيها؟ أم من أمها؟

لعل كليهما كان متمردًا.

تعلقت نوال سلامة بفادي جوزيف في المدرسة الثانوية. كان منشغلًا بفلاسفة فرنسا وشعرائها ومطربيها وأفلامها. شعرت أنه يضيف إلى عقلها مئات الخلايا في ساعات معدودة. انبهرت بنظراته البعيدة المتفكرة، وبقدرته الغريبة على ربط الشعر بالفلسفة، والفلسفة بالسينما، والسينما بالسياسة، والسياسة بالألوان والديكور والنباتات والأزياء والعطور.

باتت لا تتخيل يومها بدونه.

لكنه لم يكن يراها إلا صديقة مقربة جدًا.

هكذا شعرت.

حاولت بكل الطرق الساذجة التي تعرفها أن تغويه، فلم يكتب فيها بيتًا من شطرين. اشترت عطر شانيل رقم خمسة، وراحت تقرأ عن سينما جودار، وأفكار لاكان، وتيار دو شاردان، حتى تشاركه اهتماماته التي استهوتها بالفعل.

بل إنها صبغت شعرها وصففته مثل آنا كارينا عندما حلّ الصيف، فاندهش برؤيتها فعلًا.

لكن دهشته كانت شيئًا آخر غير ذلك الذي تلمحه الفتاة في عيون الشباب.

احتارت طويلًا في أمره، ثم اهتدت إلى تفسير أول: فادي قليل الخبرة والعلاقات بالجنس اللطيف.

لكنه كان شاعرًا ولطيفًا، فلم يبدُ لها ذلك التفسير مقنعًا تمامًا.

فأحالته إلى تفسير آخر: ربما كان مهووسًا بفرنسا. وربما ينوي الهجرة إليها، أو الزواج من فرنسية.

وبدأت تلاحقه بأسئلتها غير المباشرة، تبحث عن أي طريق يقودها إلى قلبه.

مرت الشهور.

لم يحاول أن يخطف منها قبلة مثل قبلات إيف مونتان، ولا أن يقول لها كلمات غزل مثل آلان ديلون، ولا حتى أن يغويها بعناق نزق مثل جان بول بلموندو.

لم.

لم.

لم.

كل ما حدث أنهما التحقا بالجامعة.

بالطبع، التحق هو بكلية الفنون والآداب.

أما هي، فقد تمردت وتكورت على نفسها، ثم فردت قامتها وقررت ألا تكون تابعة لظله.

ولذلك التحقت بكلية...

الفنون والآداب. 

قبل نهاية العام الأول فوجئت به يطلب خطبتها.

بكل بساطة.

دون مقدمات.

لم يشأ أن تمر العلاقة بالكنيسة، ومع كل ذلك التمرد وتهديدها بالهرب، رضخ والداها وسمحا بخطبة عادية وسط الأهل والأصدقاء، لكن بشرط أن يتزوجا في الكنيسة.

وهذا ما تم بعد نهاية دراستهما بعام ونصف تقريبًا.

استقر بهما الحال في شقة صغيرة.

عملا معًا في مجلة فنية؛ فادي مترجمًا، ونوال محررة.

التحق فادي بفصل مسائي لتعليم الحياكة، وانكب على شراء مجلات الموضة النسائية. ومع الدخل المتواضع، وتزايد الاحتياجات، دبّ الضجر قدمًا في حياتهما.

جنّ جنون نوال وقررت أن تدخن.

ربما لأن الحاضر لم يكن يأتي بجديد، كانت مهمومة أكثر بالمستقبل الذي ينتظرها. مرت الشهور دون حمل، رغم أن الأمر كان جزءًا من خطتهما، بينما كان فادي يبحث عن ممول ليفتح مشغلًا لملابس النساء بعدما أحبطه جوزيف أنطوان.


كان جوزيف أنطوان تاجر بن لم يشق له غبار.

قضى شبابه متنقلًا بين ثلاث قارات، وجمع ثروة بطرف لسانه فقط.

عُرف بحذاقته منذ أن شبّ في (بن سرحان)، وهو محل توارثته العائلة جيلين على الأقل. وفي الخمسينيات ذاعت شهرة جوزيف، ابن أنطوان، الذي كان ينتقي أجود أصناف البن من البرازيل وأفريقيا بمجرد أن يتناول منه فنجانًا، وأحيانًا كان يكفيه أن يمضغ حبتين.

حقق ذلك دخلًا أكبر لأنطوان وأشقائه.

تهافت عليه بعض المستوردين، وانهمرت الطلبات، وزادت العمولات، وحظي الفتى بإعجاب الجميع. ثم وقع في هوى ابنة تاجر بن لبناني ميسور الحال، مقيم في ريو دي جانيرو، فتزوجها وصار متنقلًا بين لبنان والبرازيل وكولومبيا. وحين توفي أنطوان، ترك لابنه ثروة لا بأس بها، إلى جانب حصته في (بن سرحان). عمل جوزيف على تنميتها، بمساعدة صهره، حتى صار واحدًا من كبار مصدّري البن إلى الشام وشمال أفريقيا وجنوب أوروبا.

لقد وُلد فادي لأب يعرف جيدًا كيف يدير رأس ماله في خمس دول على الأقل، موزعة على ثلاث قارات، وأم تقضي وقتها بين الرسم والقراءة. كان يعيش في منزل لا ترفع فيه إبرة الجرامافون إلا قبل النوم. قليلًا ما رأى والده. لذلك قضى جلّ وقته مع أمه، التي عكست عليه كل ثقافتها وحبها للفنون والآداب. وراح الفتى يحلم بحياة تشبه حياة صعاليك باريس.

انتابت جوزيف خيبة أمل لأن الولد الصغير لم تستهوه التجارة. وبمرور الوقت، رضخ للأمر الواقع، ولرغبة الأم في أن يحتفظ ابنهما بميوله الشخصية.

كان تاريخ عائلة سرحان يصلح لمسلسل إذاعي ممل.

هكذا فكرت روز.

كانت طفولتها شبيهة بطفولة فادي؛ فالعائلة الصغيرة نزحت إلى اليونان في أوائل الثمانينيات، بعد بداية الحرب. لم يتصالح فادي مع حياته بأي حال. صار حلمه بأن يصبح مصمم أزياء، كالكتب المتكومة فوق الأرفف: موجودًا، لكنه لا يُفتح. اكتفى بالعمل مترجمًا في مجلة عربية تصدر من أثينا. ثم صار عدوانيًا، دائم الشجار، حتى إن روز اعتادت رؤيته منزوياً في الأوقات القليلة التي يقضيها في المنزل.

أما نوال، فقد حملت همّ الفتاة. كانت تشغلها بالقراءة والكتابة باللغتين الإنجليزية والعربية، إلى أن أشفقَت عليها من الكمد الذي صار ضيفًا دائمًا؛ كأنها اعتادت وجوده حتى حسبته فردًا من العائلة.

التحقت روز بمدرسة داخلية في قبرص، وصارت تتعلم اللاهوت والرياضيات واللغات. وكانت تشعر بسخرية قدرية من اسمها.

روز..

لماذا لا تبدو حياتك زهرية؟


 "تتكلمين الفرنسية؟"

قطع السائق انشغالها بتأمل شوارع مونمارتر. 

أجابته بالفرنسية: 

"مثل الطيور"

ابتسم.

"جميلة هي باريس. أليس كذلك؟"

"هي الأجمل على الإطلاق. أتمنى أن أعيش وأدرس هنا. بابا يعيش هنا منذ خمسة أعوام. كان يأتي لزيارتي كل عام، لكنه لم يأتِ العام الماضي. فهو منفصل عن أمي".

"حظًا طيبًا، مادموزيل روز. أنا بن".

نظرت إليه.

"لابد أنك عربي، مسيو بن. أنت لست فرنسيًا، صحيح؟"

"اسمي بن عدي. من القصبة. هل تعرفين الجزائر؟"

"ليس كثيرًا. أين هي القصبة؟"

"في العاصمة. أنا من حي الثوار الفدائيين الذين دوخوا الاحتلال الفرنسي، والآن أعمل في قلب العاصمة الفرنسية. هذا هو حال الدنيا".

ثم صمت لحظة قبل أن يضيف:

"عندما أتيت إلى هنا كنت متخوفًا، لكن مع الوقت تيقنت أن الاحتلال انتهى منذ عشرات الأعوام، وأن الأفكار العنصرية لا مكان لها في باريس. قد تشعرين بقليل من العنصرية في سخرية البعض فقط، وقد يختلط الأمر عليكِ؛ لأن السخرية من كل شيء سمة فرنسية. الشيء الأساسي هو استعمال العقل. لا يهم من أين تأتين، بقدر ما يهم كيف تفكرين وكم تتحكمين في أعصابك. من أين أتيتِ؟"

"لبنان. ولدت في بيروت قبل الاجتياح بقليل. ثم نزحنا إلى اليونان، ومنها إلى قبرص، وعادت أمي إلى بيروت، فعدت معها. لكن حتى الآن لم أحب الحياة هناك. ما زلنا نعاني من الحرب والاحتلال والطائفية والكثير من الأمور".

ترددت لحظة، ثم قالت:

"مسيو بن، أنا أفضل لو كنت هنا مع بابا".

خفض بن عينيه إلى الطريق.

ثم قال بالعربية:

"الله يلعنهم الصهاينة ويخزيهم. آمين يا ربي".

وصمت تمامًا.

عادت روز بعينيها إلى خارج النافذة.

وبعد لحظات سألته:

"كيف حال الجزائر؟"

شرد قليلًا، ثم راح يكمل لها معلوماتها عن الأحداث الدموية التي تسري في الجزائر سريان الكوليرا. لفت نظرها بعض التشابه مع حال لبنان؛ بلد عادت إليه منذ سنوات، فوجدته لا يزال يعاني من الطائفية. كان العالم، في نظرها، يتشابه أكثر مما ينبغي.

"حسنًا، ها هو الشارع. لقد وصلنا".

"لا أستطيع الانتظار. أتشوق لرؤيته".

"يمكن أن أنتظر هنا حتى تشائين. ويمكن أن يأتي والدك معنا وأصحبكما في جولة إذا أردتما. لابد أن تذهبي إلى الساكريه كير... إنها قريبة من هنا".

ابتسمت.

"سنرى إذن. أراك لاحقًا، مسيو بن".

"حظًا طيبًا".


خرجت روز من السيارة، ووقفت تتأمل العمارة الأنيقة. كان الباب الزجاجي الأزرق باهرًا. مشت بتؤدة ناحية المصعد العتيق، ثم توقفت ثانية لتتأمل المدخل بلونه الأزرق. خُيّل إليها أنها تقف في قلب البحر المتوسط، وزادها هيامًا منظر فسيفساء الجنيات الإغريقية حول حصان البحر الذي ينفخ في صدفة تأخذ شكل المزمار.

بابا يعيش هنا. قالت لنفسها. ثم انسحبت إلى داخل المصعد وصعدت، كأنها ترتفع إلى قوس قزح في قلب السماء. فكرت سريعًا في أول عبارة ستقولها. ليست المرة الأولى التي تفكر فيها بذلك، لكنها كانت مضطربة على أي حال.

وصل المصعد. قرأت رقم سبعة عشر فوق الشقة التي تقابل المصعد، فمدت يدها وقرعت الجرس. نظرت سريعًا إلى حذائها وملابسها، ثم عدّلت شعرها.

انتظرت.

انفتح الباب.

برزت سيدة ترتدي عباءة شرقية سوداء ذات فتحة طويلة تبرز ساقيها، وعمامة مزركشة أضفت عليها هيئة ساحرة مغربية.

"كيفك روز؟"

اندهشت روز من سؤال السيدة. من هي؟ كيف تعرفها؟ ولماذا تشبه فادي إلى هذه الدرجة؟ ولماذا دمعت عيناها؟

"منيحة".

احتارت وتلعثمت:

"بدّي فادي أنطوان".

ابتسمت السيدة، وكانت الدموع لا تزال في عينيها.

"شو في، حبيبتي؟ هو أنا فادي... أنا بابا يا روز".

نظرت روز إلى السيدة من أسفل إلى أعلى.

أصابها ما أصابها.

حدقت في صدرها لحظة، ثم رفعت عينيها إلى وجهها.

"بابا؟"

توقفت. 

«وشو هاي البزاز؟»


مرحى أيها العالم، لقد تحطم قلب إحدى المراهقات مرة أخرى.

الوجع يدفع الفرد لرطم رأسه في الجدار، ويطلق لدموعه العنان. والأوجع من الدموع هو حبسها، فإن أوجع بكاء هو ما كان بلا دموع. لكن ذلك من شيم الحكماء وحدهم، أما الصغار فيصرخون ويبكون بإصرار حتى يلين لهم الوجع ويتلاشى بعض الشيء.

الوجع يجعل النوم بعيدًا بُعد السماء، وأيضًا يجعل الاستيقاظ كابوسًا. والكابوس ينتهي بصدمة عصبية بسيطة ترغم العقل على الاستيقاظ، مجرد صعقة بمقدار بسيط من الكهرباء. ولأن الجسد في حالة استرخاء تام، سينتفض من الكابوس بفزع سرعان ما يتلاشى تدريجيًا.

لطمت روز وجنتيها دون توقف. بكت وبكت حتى لم تتبين لماذا تبكي: من الحزن؟ لأنها لا تسيطر على دموعها؟ لأنها قليلة الحيلة؟ لأنها مبعثرة الأشلاء؟ لأن اليد القادرة على لملمة كل تلك الأشلاء هي اليد التي ألقت بالقنبلة في صدرها؟ لأن العالم الكبير ضاق عليها كثقب الإبرة؟ لأن عقلها الناشئ لم يحتمل دفعة النضوج الفجائية؟

انتظرت روز صعقة الكهرباء كي تستيقظ. لا الكابوس انتهى، ولا هي استيقظت، ولا الفزع راح، ولا عادت إلى هدوئها. تكورت كالجنين في ركن الغرفة، ولم تكف عن النحيب.

اهتدى جوزيف إلى حل شيطاني. ما الذي كان يمكن أن يفعله لهذه الفتاة وهو بمفرده معها في غرفة الفندق؟ لقد وعد نوال أن يرد لها الفتاة كما هي. يا للمصيبة. الفتاة في سن غير قانونية، ولا يمكن أن تشرب في أماكن عامة، وهي في أمس الحاجة إلى مشروب ذي لذعة تقاوم غصة الحلق، وذي قوة كحولية ترخي أعصابها الفتية فتأكل قليلًا أو تستسلم للنوم.

ضغط على أعصابه وطلب من خدمة الغرف زجاجة تيكيلا وطبق فواكه. خالف ضميره وصبّ لها الكأس الأول. ظن في بادئ الأمر أنها بحاجة إلى إقناع، لكنها فاجأته بقذف الكأس دفعة واحدة في جوفها. صبّ لها الكأس الثاني والثالث، ثم أجلسها على الفوتيل المجاور للنافذة. صبّ لها الكأس الرابع وراح يؤول لها كل شيء.

ومن غيره كان يعرف كل شيء، بعد الله؟


لم يكن جوزيف رجلًا ضعيفًا، فثروته — أو ما تبقى منها — وقصة نجاحه خير دليل، وإنما كان متفهمًا لكون ولده الوحيد غريب الأطوار.

أصر أن الولد الوحيد لابد وأن يتشرب حب المهنة، وإلا تفككت تجارته وذهبت سيرته وسيرة عائلة سرحان بأكملها دون رجعة. هكذا كان الأمر هائلًا بالنسبة له، أما زوجته فقد أصرت ألا يفرض على الولد أي شيء؛ فيكفي أن الولد لا يتمتع بشعور بنوة حقيقي تجاه الأب المنشغل معظم الوقت، فضلًا عن أن الولد لا يميل إلى عالم سرحان.

عندما كانت لبنان تعيش عصرها الذهبي. انشغل جوزيف أكثر وأكثر، ظنًا منه أنه يؤمّن مستقبلًا لعائلته. راح يعرض على فادي أمر الزواج من ابنة هذا الثري أو ابنة ذلك الثري أيضًا، فقوبل بالرفض والتذمر.

شعر جوزيف بالخوف يكبر رويدًا رويدًا حتى صار وحشًا يرافقه. ولم ينقذ الأمر غير زوجته، التي أقنعت فادي تدريجيًا بعرض الزواج على زميلته نوال، طالما أنها ترغبه.

وجاءت الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وتأثرت تجارة سرحان، ففرّ منهم الكثيرون إلى البرازيل واليونان ومصر.

ومع الضوضاء التي أحدثتها الضيفة الجديدة في المنطقة، والمدعوة إسرائيل، تنبأ جوزيف بقرب مصيبة.

كان لجوزيف قدرات عجيبة؛ كأن يعرف بمجرد رشفتين من أين أتى هذا البن وكيف تم تخزينه، وقد يعرف من الذي باعه ولمن. كان ذلك قبل أن يتحول البن إلى عبوات صغيرة مضحكة تباع في الأسواق.

كانت له قدرات أخرى؛ كأن يشعر بالحزن والخوف والفرح قبل أوانها بأوان، كأن يعرف أن زيجته لن تثمر الكثير من الأولاد، وكان يعرف أن ابنه مثلي الهوى، وكان يعرف أن لبنان على وشك منعطف اقتصادي.

لم يغامر بتمويل مشروع فادي في منتصف السبعينيات؛ لأنه شعر بإعصار يقترب من بيروت. فساءت علاقتهما أكثر، حتى اجتاح العدوان الإسرائيلي بيروت. كانت تجارة جوزيف قد اقتصرت على البرازيل وبعض الدول الأخرى، فاستقر به الحال في ريو مع زوجته التي توفيت في نهاية الثمانينيات، بعد أن داهمتها جلطة مخية لم تُشفَ منها. ثم رحل إلى قبرص واستقر بها قليلًا، وانضم له فادي ونوال وروز. ولكن بمجرد حضورهما شعر بشيء يغتال روح نوال، بيد أنها كانت امرأة عنيدة لا تستسلم.

جوزيف لم يكن بالرجل الضعيف أبدًا لينهار أمام حقيقة ابنه. وكيف ينهار هو إذا كانت نوال تواجه ذلك برضا تام؟

اتفق جوزيف مع نوال على أن تدخل روز مدرسة داخلية، شفقة بالصغيرة التي لا يجب أن ترى كل هذه الخلافات الأسرية وهذا التفكك الزوجي. وبمرور السنوات تحول فادي إلى كائن لا تحتمل تقلباته العصبية. رأى جوزيف أبواب مصر تفتح له، فلم يطل الوقت في التفكير، ورحل إلى القاهرة. وعادت نوال إلى بيروت بعدما قررت الانفصال عن فادي بشكل نهائي حتى يوافق الفاتيكان على طلاقها ومنحها فرصة أخرى للزواج. أما فادي المنبوذ، فقد رحل إلى باريس وتنقل بين سرائر الفنانين والمجانين، الفرنسيين منهم وغير الفرنسيين، إلى أن وقع في غرام عبد اللطيف، راقص وممثل مسرحي تونسي مرح، يصغره بخمسة عشر عامًا.

كان لعبد اللطيف الأثر الأكبر في حياة فادي حينئذ. أنقذه من الاكتئاب ورغبة الانتحار، وساعده على أن يكون كيفما شاء. المثير للسخرية أن عبد اللطيف لم يستطع أن يعلن عن مثليته خشية من أبيه. فهو الابن الأصغر في أسرة موظف حكومي مرموق، وأمه مسكينة اكتفت بدورها كسيدة شرقية عتيقة الطراز، تقبل الضرب والإهانات اليومية كأحد الواجبات الزوجية. ولأن عبد اللطيف أشفق على أمه من حمل العار، قرر أن يعبر البحر ويستقر في باريس، غير أن أباه بات يلاحقه ويستقصي عنه كل المعلومات.

رقّ له قلب فادي وقرر أن يكون له العشيق والأم. قرر أن يجري عملية تحويل جنسي، لكن دكتور شيالي، وهو جزائري الأصل، أقنعه بالتمهل وإجراء العملية على مراحل، فبدأها بنفخ الصدر. صار له ثديان، الواحد منهما بحجم كأس النبيذ الأحمر. لا بأس. استمر في تعاطي هرمونات الأنوثة، وبدأ جسده يتخذ المنحنيات عند خصره ومؤخرته، حتى أصبح مظهره الخارجي غريبًا.

ولكن.. فادي له ابنة تنتظر زيارته السنوية بشغف.

لم يستطع الذهاب إلى لبنان بهذه الهيئة، فامتنع عن الزيارة، وكان الإحباط عامًا. فادي محبط في باريس، وروز محبطة في بيروت، ومعهما نوال محبطة من الاثنين، وجوزيف في القاهرة محبط من الجميع. ومع عودة الدراسة عادت الحياة بعض الشيء، وقد ألحت روز على فادي ألا يكرر فعلته في الإجازة المقبلة، حتى فاجأها بدعوته إلى باريس.

وقد كان.

أصر فادي أن تعرف بمفردها وأن تقرر بمفردها كيف ستكون علاقتها به دون أي تدخل من جوزيف أو من نوال، كما طلب منهما. ففي شهر يناير اتصل بهما وأعلمهما أنه بصدد إزالة عضوه وأنه سيتحول إلى امرأة، وأنه يود أن يجلس مع روز ليعلمها بنفسه، أو يغتالها بيده كما قالت نوال.


عادت المراهقة الشقية المغمورة بحب الحياة من عند فادي في أقل من ساعة، مكسورة واجمة. ثم أجهشت بالبكاء وراحت تلعن كل شيء.

الأخطر من ذلك ليس أنها لم تعد كما ذهبت، وإنما عادت دون الرب في قلبها.

آخر ما قاله لها فادي هو سؤال:

"ما ذنبي يا روز؟ هل أنا من خلقت نفسي هكذا؟"

حاول جوزيف أن يحتضنها، فكانت كالقطة البرية، أو لنقل إن روز أصبحت زهرة ذات أشواك يحذر على المرء لمسها.

لم يعرف جوزيف كيف يضمد جرحه، هو الذي أصبح بلا أحد، وكيف يواسي الفتاة الصغيرة، وكيف سيعود بها إلى لبنان ويتركها لدى نوال ثم يدير ظهره ويرحل إلى القاهرة.

إذا كان فادي قد خذلهما، فقد خذله هو أيضًا.

كان لابد من القيام بدور ما.

وأي دور سيلعبه إذا بدأ بزجاجة تيكيلا؟

لم يجد في وسعه إلا أن يدعو العذراء مريم للتدخل.

هبت روز وخرجت تركض في الكوريدور، وهي تسب العذراء وابنها بأعلى صوت.

لحق بها جوزيف عند مدخل الفندق. كانت تقف كتمثال، لا تعرف أين تذهب. نظرة عينيها لا تحتاج إلى تفسير. كانت كتلة امتزج فيها الحزن بالغضب، وأشعل الذل ألف رغبة شريرة في قلبها المحسور داخل صدرها الصغير.

احتضنها جوزيف، فارتعدت وراحت تشهق وتبكي.

لم يكن بالأمر السهل.

رأى جوزيف أن الفتاة التي لا ذنب لها لن تغفر كل ذلك.

ولكن لابد من حيلة.

لابد من مقاومة.

حاول أن يضحكها، فقال لها إنها محظوظة؛ فكل فتاة في العالم لها أم واحدة فقط، أما هي فسوف يصبح عندها اثنتان.

ثم انفجر باكيًا.

شعرت روز بمسؤوليتها تجاه جدها المسكين، فجذبته من جديد إلى داخل الفندق، الذي ضج بتصميمات كريستيان لاكروا في كل ركن من أركان الطراز المعماري المستوحى من القرن التاسع عشر.

عادا إلى الغرفة وجلسا صامتين، بيد أن كلًّا منهما شعر بتلك الجلبة والصخب الذي يحدثه عقل الآخر.


يقول جون لينون في أغنية "تخيل"

تخيل أن لا وجود لقدرة عليا،
ستجد الأمر سهلًا لو حاولت.
لا جحيم يبتلعنا،
وما فوقنا هي مجرد سماء

احتارت روز في التفسير: هل يوجد رب؟ أم لا يوجد رب؟ يسوع أم داروين؟ إشعياء وبولس وحنا أم لينين وماركس وتروتسكي؟ هل هي شيوعية بالفعل؟ هل تصل إلى قناعة تامة بالإلحاد، أو تظل إجنوستك؟ لا أدرية، لا تكذب تمامًا ولا تصدق تمامًا.

حتى الشيوعية نفسها، بانهياراتها المتوالية، باتت محل شك أمام ديناصور الإمبريالية.

هكذا الحال منذ عودتها إلى بيروت.

أصيبت نوال بعدة انهيارات عصبية، فكفّت عن النقاش والتزمت بالمهدئات. كانت تتحين فرصة خروج روز، فتدخل غرفتها وتبحث أسفل فراشها، في خزانة ملابسها، ومكتبها. تجد كتب روزا لوكسمبورغ وماركس وغيرهما من الرفاق، تخرج مذكراتها وتقرأ ما تدونه تلك المراهقة.

إنها لا تعبد الشيطان ولا غيره.

إنها تشك في كل الرجال.

تفسر غيرتهم على النساء بمحض حسد ذكوري يتملك الواحد منهم تجاه من يملك الهرمونات الأكثر. والهرمون الذكوري في حالة زيادته يولد الرغبة في الفتك بالنساء، التي في باطنها رغبة في القضاء على ذكورة الغير. وإذا نقص الهرمون، صار الذكر مطية وخرقة يمسح بها ذكر آخر ساقه الثالثة.

أما المرأة، المخلوق المسكين، وحده من يفهم قواعد اللعبة الأرضية التي تغاير حياة الفردوس. هي في الأرض لتمنح المتعة، وتنجب الذكور، وتدير الحياة من خلف الستار، أو من أمامه حتى. إنها الكائن الأقوى.

الرب نفسه اكتشف فيها تلك القدرة، فجعلها هي من تحمل وتضع.

من قال إنها الطرف السالب هو ذكر لا يرى أبعد من سنتيمترات عضوه.

فالمرأة هي المانح للحب والحنان. هي التي تحرق وقود جسدها لتنهض الشعوب. نساء الجنوب الصامدات في وجه الاحتلال، والنساء النازحات من فلسطين يواجهن التمييز العنصري في لبنان. وإن كان الأمر قد خف بعض الشيء بمرور الوقت، لكنه ما زال هنا وهناك.

أمي التي تفقد عقلها مع سنين عمرها، وأنا التي جئت لهذا العالم العبثي، كلنا نمنح الأمل للحياة كي تستمر.

أتخيل لو قررنا الانتحار الجماعي ذات صباح، سيرجع الذكر للسدومية حتى يفنى في غضون ساعات.

نحن النساء، نحن الحياة.

هكذا صارت تفكك التاريخ وتعيد كتابته حسبما تراه. وما تراه هو أن تاريخ العالم محاذٍ لتاريخ الشرج.

الإنسانية بدأت بظهور الشرج.

قابيل وهابيل.

أول جريمة قتل حدثت بسبب الشرج.

أخ تزوج من الأخت التي رغبها الأخ الآخر، فثار هذا الآخر وحاول كسر عينه بأن يدس قضيبه في مؤخرته، وانتهى العراك بالقتل.

هكذا.

تلطم نوال وتشد شعرها، تعيد المذكرات إلى مكانها، تلملم شعرها من الأرض، وتخرج من الغرفة. تتناول حبة مهدئة، تجلس في الفراش محدقة في السقف، تسحب المسبحة من على الكومودينة، وتتلو الصلوات. أبانا الذي في السماوات. ثم السلام عليكي يا مريم. عشرين مرة، ثلاثين، أربعين. تتناول حبة أخرى وتتمدد. تنظر إلى السقف وينظر السقف لها. تجلس. تلطم وتولول. ثم تنام.

بعد عدة أيام دخلت غرفة روز وأخرجت مذكراتها، وقرأت الجديد. لقد صارت تتابع بشغف مسلسل الكوميديا الشرجية، تنتظر حلقاته. روز كانت تعرف أن يدًا ما امتدت إلى خزانة كتبها وأخرجت دفتر المذكرات.

الماكرة.

لم تبخل على أمها.

كتبت لها حلقة جديدة، متمنية لها جلطة مخية تلك المرة.

لهذه الدرجة صارت تشوه كل شيء يمت بصلة للرب وفطرته التي خلقنا عليها؟ ما هو الوصف المطابق لحالة البنت؟

"كافرة؟ مش هيك، إم أحمد؟"

تصمت جارتها المسلمة وتمط شفتيها.

تقول لها نوال:

"هاي البت بتجيب آخرتي، الله بيساعدني عليها".

تقوم أم أحمد وتمسك يديها اللتين حمرّتا وجهها من كثرة اللطم. تقترح عليها أن تطلب العون من جد البنت. تطلبه نوال. تنتحب وتولول. تحكي قليلًا، ثم تمسح مخاطها بمنديل، ثم تعود للبكاء.

نوال تولول؟ لابد وأن الأمر جدي. جوزيف لم يكن السبب. ابنه فادي هو السبب. وفادي ابن جوزيف، وجوزيف أبو فادي. عليه أن يحمل وزر ابنه إذن. يا تعتيرك يا جوزيف، يا عدرا يا عدرا، دخيلك. الله لا يوفقك يا فادي. خلص، هي بتخلص مدرسة هالسنة وبتيجي لعندي بمصر. ليك، هيدا حل؟ مالا حل؟ شو راح تعمل عندك بمصر؟ بتكمل دراسة وبتبعد عنك. لشو؟ مجنونة أنا؟ بلا ما تزعلي، نوال، إنتِ ما راح تخليها تروق شوي. هي بتنسى لما بتيجي. بس خليها تيجي وأنا بدبرها. وإنتِ تعي لو حبيتي، أو هي بتيجي لعندك بالفاكاسيونات. كس اختو لفادي، عـ كس اخت أم الساعة يلي شفتو فيها. عرص، أخو شرموطة. الله ياخدكن. العمى بقلوبكن، عمى. بالإذن. طاك. ألو؟ ألو؟ عمي جوزيف، شو بعد فيني إعمل، إم أحمد؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حبك سفاح والمأزق الفكري

  من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟ فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.  “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟  الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليت...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

بِكاليفورنيا تَحْلُمُ

" كيف كتب جون وميشيل أغنيتهم! " نيويورك في شتاء 1963. كانت الأضواء تتكسر على الأرصفة المبتلة في المدينة التي لا تنام، والناس يهرولون تحت المظلات، يحمل بعضهم وحدته وكوب قهوة. وفي شقة صغيرة، جلس جون فيليبس قرب نافذة زجاجية، يدخن سيجارة تتلاشى بين أصابعه. بجواره جيتار يستند إلى الحائط. على الطاولة كوب شاي بارد، وجمل موسيقية مبعثرة. وقفت ميشيل أمام المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية. كانت تنظر إلى اللهب، لكن عينيها بدتا مشغولتين بشيء بعيد. قالت: «تدري، أنا مشتاقة إلى الشمس». التفت إليها: «الشمس؟ احلمي يا ميمي، الشمس هنا نقرأ عنها في الجرائد!». ابتسمت، لكنها لم تضحك. اقتربت من النافذة ونظرت إلى الشارع. «كاليفورنيا..»، قالت. راقب انعكاس وجهها على الزجاج. كان يعرف هذا الحنين الذي يلوح في عينيها. أردفت: «كان كل يومٍ هناك يشبه وعدًا بالدفء. كل شيء هنا رمادي، حتى صوتي». جلس على الكرسي، وتشبّث بجيتاره، وبدأ يعزف لحنًا بسيطًا، يدور في رأسه منذ أيام، شيئًا بين الصراخ والحنين. كان جون وزوجته ميشيل قد قدما إلى نيويورك بحثًا عن الفرص. سألها وهو يعزف: «كيف كنتِ تشعرين عندما كنتِ هناك.. في كاليفورنيا...