القاهرة مدينة تتواطأ فيها الصُدف. دانييلا، التي انطلقت من روما في جولة بحثية لإعداد دراسة عن تأثير العلمانية في الأدب العربي، استأجرت شقة مارثا عطا الله بتوصية من صديقها جوزيف أنطوان وحفيدته روز.
دانييلا.. برج الجوزاء يمشي على قدمين.
فرنسية الأم، إيطالية الأب. نشأت في روما وهي تظن أن التناقض جزء طبيعي من الأشياء، والتاريخ ليس شيئًا حدث وانتهى، بل شيء يواصل الحديث معك وأنت ذاهب لشراء القهوة. كان أبوها أستاذًا جامعيًا يقضى عمره في تاريخ الفن، وكان يؤمن بأن الإنسان لا يفهم المدن إلا إذا عرف ما الذي هدمته قبل أن يصل إليها. أما أمها عازفة الفيولين فكانت ترى في الأوبرا وسيلة أكثر أناقة لتجنب الحياة.
كانت تقرأ كثيرًا، وتتكلم كثيرًا، وتكره الإجابات النهائية. درست الأدب في روما، وقررت بعدها أن الحياة أكثر براعة من الإنسان. شخصيتها جامحة بالمعنى الذي لا يظهر في الملابس. لم تكن تحب أن تكون مختلفة. كانت تكره أن تكون عادية. وهذا فرق لم تفهمه إلا بعد وقت طويل. كانت تدخل في علاقات قصيرة، وتسافر فجأة، وتترك شقة لتعيش شهرًا في أخرى، وتغير موضوع بحثها كلما شعرت أنها بدأت تفهمه.
بعد التخرج لم تستقر. روما لم تعد تكفيها. فبدأت تسافر إلى الأماكن التي كانت الكتب تتحدث عنها بطريقة ناقصة. كانت تريد أن تعرف ماذا يحدث عندما تخرج الكلمات من الكتب وتعود إلى أصحابها. لهذا بدأت رحلتها إلى الشرق. وفي كل بلد كانت تجمع شيئًا من الناس أكثر مما تجمعه من المراجع. الكويت أولًا. ثم الأردن. ثم لبنان. هناك تعرفت إلى مدرس من عائلة سرحان.
قال لها في إحدى الأمسيات:
— لو أردتِ أن تفهمي الأدب العربي، لا تبدئي بالكتب.
سألته:
— أبدأ بماذا؟
قال:
— بالناس الذين يخافون من الكتب.
كتبت الجملة. لكنها لم تعرف لماذا تذكرتها عندما وصلت إلى القاهرة. ربما لأن القاهرة كانت المدينة الأولى التي شعرت فيها أن موضوع بحثها لم يعد موضوعًا أكاديميًا.
هنا لم يعد السؤال:
ماذا فعلت العلمانية بالأدب العربي؟
بل:
ماذا فعل الأدب العربي بالناس الذين حاولوا أن يجعلوه علمانيًا؟
وكانت دانييلا تحب الأسئلة التي لا تعرف كيف تجيب عنها. في القاهرة، تحديدًا، بدأت تتخلى عن فكرة الدراسة شيئًا فشيئًا. لم تعد تذهب إلى المكتبات بالقدر نفسه. صارت تجلس في المقاهي. تتحدث مع أهل الصحافة والأدب. تدخل في نقاشات مع المدونين. أو تتعرف إلى أشخاص لا علاقة لهم بالأدب أصلًا.
وكانت تسأل الجميع السؤال نفسه:
— ماذا تقرأ؟
ثم تسأل:
— ولماذا؟
السؤال الثاني كان أهم عندها. لأنها كانت تؤمن أن الكتاب الذي يختاره الإنسان يقول عنه أكثر مما يقوله عن نفسه. أما دانييلا، فلم تكن تخبر أحدًا بما تقرأ. كانت تضع الكتب على الطاولة مفتوحة، وتترك الناس يخمنون. وربما كان ذلك جزءًا من شخصيتها الجامحة أيضًا. لم تكن تحب أن تُرى كاملة. كانت تترك دائمًا جزءًا منها خارج الصورة. حتى روز لم تعرف عنها كل شيء. وهذا لم يكن غريبًا. فالناس الذين يعرفون دانييلا كانوا يعرفون نسخًا مختلفة منها.
بعد استقرارها في شقة مارثا بعدة أسابيع، فتحت التاروت واختارت ورقة كعادتها اليومية، وكانت ورقة الكؤوس الثلاث. تفاءلت وشعرت أن اليوم سيحمل لها مفاجأة أو شخصًا جديدًا يدخل إلى حياتها. ارتدت ملابسها، وصبّت لنفسها فنجان قهوة، وأشعلت معه سيجارة، وراحت تكتب قائمة بالأشياء التي ستشتريها. خرجت قاصدة سوق باب اللوق.
في القاهرة، تبدأ الحكايات أحيانًا قبل أن يصل أصحابها.
كان الملك رمسيس محاطًا بسقالات حديدية في ميدانه، كما كان قبل سفر أحمد إلى الإسكندرية. هذا الملك ذو القدم التي تتخذ خطوة إلى الأمام، وكأن الحديد سيمنعه من الهروب.
الباعة الذين افترشوا الأرصفة، والنائمون في المساحة الخضراء أمام المحطة، والباحثون عن مكان يملأون فيه البطون، واللاهثون وراء المواصلات، كانوا أول ما رآه، كالعادة. وكالعادة أيضًا، وقف برهة يتأمل مئذنة مسجد الفتح المتصاعدة بأشكال بديعة نحو السماء.
لم ينتبه في البداية إلى خلو شارع رمسيس من السيارات. سار في اتجاه شارع 26 يوليو. اقترب من تجمّع من البشر. ظنه انفجارًا. وجود عربات الأمن المركزي أكد له هذا التخمين. لكنه كان في غير محله.
ازداد بداخله الانقباض مع اقتراب خطواته من المتظاهرين القادمين من أمام نقابة المحامين، وتضاعف قلقه من المستقبل الذي بدأ منذ دقائق. ملامح رجال الأمن المركزي زادها حر الصيف غضبًا وقسوة. كانوا يحيطون بالمتظاهرين ليمنعوهم من التقدم، ويحملون عصيًا غليظة انتظارًا لإشارة الهجوم.
انهمرت العصي فجأة على الرؤوس، بلا رحمة، بلا هوادة. هرب أحمد إلى شارع جانبي، ثم توقف عن الجري وترك الحقيبة تسقط من يده. وقف يأخذ نفسًا تحت شمس الصيف التي أصرت على الوجود فوق رأسه مباشرة.
نظر حوله، وتبيّن أنه في سوق التوفيقية. كان الجميع يسير في عجلة، دون النظر إلى الخلف أو الأمام. لم يكن الإحساس بالغربة محتملًا في ذلك اليوم. مضى، تاركًا عينه تبحث عن شيء مطمئن وسط هذا التوتر.
وصل إلى البناية التي يسكن بها في شارع قوله، الأمر الذي أعاد إليه بعض الهدوء النفسي. وعلى الدرج كانت امرأة رشيقة، تبدو في أوائل الثلاثينيات من العمر، تسبقه بثلاث درجات.تحمل في يديها أكياسًا ممتلئة بالخضار. تتحرك مؤخرتها بشكل مثير ومنتظم، وكأنها تصاحب موسيقى أو إيقاعًا ما.
وصلت إلى الدور الثاني، وتوقفت عند الباب المقابل لشقته. أنزلت الأكياس إلى جوار قدميها، وأخذت تبحث عن المفتاح في حقيبتها. وعندما التفتت إليه، استطاع أن يرى وجهها للمرة الأولى، فانتبه إلى ملامحها الأجنبية.
استجمع شجاعته ولغته الإنجليزية. سرّ لأنه وجدها لينة المعاملة وليست متحفظة. وعلى عجل، دار بينهما حوار ظريف، فعرف أنها الإيطالية دانييلا جان باولو. انتقلت إلى القاهرة ريثما تُعد بحثًا ما. تبادلا التحيات على وعد بلقاء قريب، قبل أن ينسحب كلاهما إلى داخل شقته.
فتح كل المنافذ، آملًا في خروج تلك الرائحة بلا عودة. تسمر أمام لوحة لفيل يرش الماء بخرطومه إلى أعلى، فيصنع منه مظلة. كانت الحياة أجمل فيما مضى، عندما كان صغيرًا!
خلع حذاءه، وشمّر بنطلونه وأكمامه، وبدأ في تنظيف الشقة، الأمر الذي استغرق ساعتين تقريبًا. ثم سمع طرقًا خفيفًا على الباب.
كانت دانييلا بابتسامة ونظرة لا يمكن تفسيرهما خطأ.
بعد أن دعته إلى مائدتها، تركته يتفحص مكتبتها الصغيرة بينما كانت تعد القهوة. تحدثا عن الأدب المصري في القرن العشرين، وبدا له أنها تركز على النصف الثاني منه. كما بدا أنها تركز على شفتيه أكثر من كلامه، قبل أن تفاجئه بلمسة سريعة على ذراعه.
ومع صوت أورنيلا فانّوني المبهج، راحت الأنفاس تتسارع، والكثير من الجنس الشفهي سينتهي بإحباط في حال استمراره دون أن يتطور ليتخذ شكلًا أكثر متعة فوق الكنبة، التي استقبلت جسدها في وضع كلابي شهي كبداية محفزة، قبل أن تعتليه بخبرة لا يمكن تجاهلها في الصعود والهبوط.
امرأة إيطالية مخلصة للدراسة والطعام والجنس، كما أن لها ثديين بحجم تفاحتين. الأيام المقبلة لن ينقصها المرح، ولن يتسرب إليها الفراغ إذن، هكذا قال لنفسه.
صارت الأيام مليئة بالنبيذ والرقص والجنس واسطوانات الأوبرا والكتابة والقراءة. والأصدقاء. كانت تجيد قراءة أوراق التاروت، لذلك كان يجد صديقاتها من حين إلى آخر بغرض الاطلاع، وعلى سبيل الدعابة وافقت أن تقرأ له طالعه.
— أنت تائه الآن، لكن هذا الكارت يشير إلى تغير قد يحدث.. ربما تخسر كل شيء.
— ما معنى ذلك؟
— قد يعني نهايتك إلى الأبد، أو بداية جديدة فحسب. هناك كثير من الفوضى. لا تتظاهر بأنك تملك زمام الأمور.
قالت:
— انظر، هذا الكارت يشير إلى حب... قد يأتي بغتة، وقد يجعلك تجنّ.
كانت تعرف جيدًا، كما يعرف أحمد، أن الأمر بينهما لا يحتاج إلى أي مهاترات رومانسية.
— هل ترغب في عمل شيء مجنون؟
— أي نوع من الشيء المجنون؟
— توقف عن إجابة سؤالي بسؤال آخر.
— حسنًا، ماذا سنفعل؟
توقف التاكسي عند مدخل بناية أثرية في جاردن سيتي. وفي شقة زيتا بالطابق السابع، كانت فابيا وباولا وأليجرا وفيلومينا وروميلدا في انتظارهما. بعد ساعتين من اللغو بالإيطالية، تخلله نزر يسير من الإنجليزية والفرنسية، أصابهم الجنون وقاموا إلى الرقص. والحقيقة أن أحمد كان مترنحًا، شاعرًا بمعدته ممتلئة بعد كيك البانيتوني والباندورو والنبيذ الأبيض وقطع الشوكولا بالويسكي. كان رقصًا مضحكًا. ثم بدأ الرقص يتخذ شكلًا إيروسيًا مثيرًا. لم ينتبه لوجود شفتيه بين شفتي هذه أو تلك، ربما لانشغاله بتفحص قبلات الأخريات لبعضهن البعض، مصحوبة بخشوع واضح في الأعين المغلقة والأصابع المتضرعة.
ترى، ما هو شعور أنثى تقبل أنثى مثلها؟
كنّ محترفات بالفعل في لمس مناطق معينة في جسده العاري، المصلوب على الحائط. وكي يتخلصن من صرخاته، وضعن شريطًا لاصقًا على فمه. ظلالهن تتراقص على الجدران. سبعة أجساد عارية لها أربع عشرة يدًا تعبث به كالدمية في ضوء الشموع. يد تتحسس بطنه. يد ثانية تتحسس أفخاذه، وثالثة تعتصر مؤخرته. سبعة ألسنة تلعق الخمر على بطنه. سبعة أفواه تمطر قبلات منهمرة، متفرقة في كل أنحائه. لسان يخترق أذنه. فم يمتص عضوه، وآخر يلتهم بيضتيه.
عندما كانوا يرتدون ملابسهم مرة أخرى، كانت إحداهن تحكي كيف وصلت إلى الأورجازم أربع مرات لأنها لا تأكل غير الفاكهة منذ أسبوعين.
لم يرغب في قضاء بقية الليل مع دانييلا، فودعها بقبلة فور عودتهما، ودخل شقته باحثًا عن أكثر الأماكن صلاحية كي ينهار فيها. أحس ببادرة ملل وهدوء مرعب، فتوجه إلى حجرة المكتب، حيث اعتاد جده أن يجلس بين الكتب والصور والبيك آب والمافيولا. كان البايب لا يزال يحتل مكانه على سطح المكتب بجوار الولاعة الموسيقية، وكانت هناك بعض الصحف القديمة وفيلم «8 مللم» في حالة شبه جيدة. فحاول تركيبه على المافيولا بعناية، ثم أداره وأطفأ النور.
وعلى الحائط كان هناك فيلم صامت.. بهو فندق، كل من فيه يحمل ملامح أوروبية. جدته في شرفة تطل على حمام سباحة ونخيل. جده وجدته مع أشخاص يبدو أنهم أصدقاء في وسط الجليد الممتد حتى مرمى البصر. بشر بملابس سبعيناتية في شارع مليء بالملاهي الليلية والأضواء واللافتات النيون تدل على أنهم في شارع الحمرا، بيروت. جده وجدته مع نفس الأصدقاء حول منضدة تضم كعكة وزجاجة خضراء، غالبًا هي شامبانيا. جدته في تراس الفندق نفسه تقريبًا، تبتسم وتلوح بيدها لمن يحمل الكاميرا.
ضغط زر التثبيت، وراح يتحسس وجهها على الحائط، يلمس أصابعها، ويتأمل ابتسامتها. أضاء النور وعاد يبحث في المكتبة. كانت هناك روايات لمحفوظ والسحار والعقاد، ومشغولات يدوية تحمل رائحة جدته. وتوقف بصره عند مطفأة تزدان بأصداف صغيرة في زاوية سطح المكتب.
— إنت بتخاف من البحر ليه؟
— مش بحبه.
— لازم في الأول تعرف البحر، وبعدها شوف إذا كنت بتحبه أو بتكرهه... إنت عرفت البحر؟
حملته، ثم انطلقت في المياه غير عابئة بفزعه وتوسلاته إليها كي تخرجه إلى الشاطئ.
رحلت جدته عندما كان في السابعة. لم يعرف ذلك حتى وصوله مع أبيه وأمه من الإسكندرية. تذكر بكاء جده على هذا الفوتيل، وصمت سيدات العائلة الجالسات في الصالة. وبعد عودته إلى الإسكندرية بأيام، رأى في نومه طفلًا له جسد يشبه جسده. كان يتقلب على فراش من الإبر المنتصبة في قاع جهنم. هذا الطفل له وجه يشبه وجهه. لعله أنا، قال. أصابته حمى، وفي الصباح قرر أن يخرج لمقابلة البحر. نظر مليًا إلى الأمواج التي تجري باتجاهه، تتحطم قبل أن تصله.
—لازم في الأول تعرف البحر، وبعدها شوف إذا كنت بتحبه أو بتكرهه... إنت تعرف البحر؟
انتصب واثقًا من نفسه، ومشى في المياه التي كانت تعلو كلما تقدم.
أفاق من ذكرياته ليجد يده ما زالت تتحسس المطفأة. كانت جدته هي مَن زيّنتها بتلك الأصداف التي جمعتها في ذلك الصباح.
كان بالفعل قد عرف البحر وأحبه حتى صار صديقًا حميمًا لسنوات وسنوات. المعرفة تنتهي بالحب أو اللاحب إذن. وما عرفه عن دانييلا وصديقاتها، كاهنات أيروس، كان كافيًا لكي يقرر.
تعليقات