التخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليوم عضني كلب "أو كيف تنتقم من كافكا بكتابة قصة عنه"



"ها أنا أنزف الدماء في الشارع كأي حيوان ضال" قال الصغير كافكا وكأنه يخلد العار الذي لحق بالبشرية، كأنما أراد بذلك أن يسجل شهادته على قسوة الحياة التي لن تعود كما كانت. بكاء الصغير وصم العالم بالظلم إلى الأبد.

رق لرؤيته قلب امرأة تسكن الزقاق، تمنت لو كان لديها بعض البن لتكبس به الجروح التي أحدثها الكلب في ذراعيه وكتفه ووجهه لكنها كانت فقيرة معدمة. اخترقت المتجمهرين حوله وتقدمت له بخرقة كانت تنظف بها النافذة، لم يفهم الصغير ماذا يفعل بالخرقة فراحت السيدة تمسح بها دمائه هنا وهناك.

" يجب أن تذهب إلى الطبيب" قالت السيدة الرقيقة ويبدو أنها أفزعته فقالت مطمئنة إياه "سوف تصاب بسعار الكلب إذا لم يقم الطبيب بعلاجك فوراً"

توقف الصغير عن العويل وغلب شهقاته متسائلاً ما هو سعار الكلب فأجابته السيدة أنه سيظل ينبح ويعض كل من حوله.

تذكر كافكا عندما انغرست أنياب الكلب في كتفه، لابد أن شراينه كانت تستقبل فيروسات خطيرة، سربت الخدر إلى عقله فلم يستطع مقاومة الكلب الذي إغتنم الفرصة وإلتهم خده الأيمن.

إنضمت لهم سيدة أخرى، ناولته شربة ماء في كوب مشروخ. نظر الصغير بامتعاض إلى الكويئنات البيضاء التي تسبح في الماء ثم أفرغ الكوب في جوفه. هدأ بكائه قليلاً بيد أنه بقي يشهق. اقترح أحد الرجال تسليمه للشرطة وتبرع رجل آخر بتوصيله لبيته حتى يشرح لوالديه ما حدث. أصيب كافكا بالذعر، فكيف يشرح لهم أنه حاول فك الرباط الضيق الذي كان يخنق الكلب. لم يذنب الولد عندما حاول إصلاح ما فعله بعض الأشقياء. لقد شعر بالظلم الواقع على الكلب، لكن الكلب أساء الظن. سكان الزقاق أيضاً أساءوا الظن، وعللوا هجوم الكلب على كافكا بأن كافكا بنفسه قد حاول أن يخنق الكلب. سوف يأتي أحدهم إلى بيته لينقل سوء الظن إلى والديه. في اليوم التالي سيكون عليه أن يشرح للمدرسة بأكملها أنه لم يخنق الكلب ولكنهم لن يصدقونه.

شعر كافكا أنه في مأساة كلابية فادحة. تعلل أنه يسكن في زقاق قريب ولا حاجة به لأحد يصحبه. اخترق الجمع مسرعاً وهو يسمع أصواتاً تحذره من العبث مع الكلاب الضالة. لم يصدقه أحد، لن يفعلوا. لابد أن الذين حاولوا تقييد الكلب كانوا يضحكون في سرهم.

 

مر كافكا ببيت خرب فقفز إلى داخله وراح يفكر في احتماليات ما يمكن حدوثه. لا يمكن إخفاء ذلك الجرح في وجهه، إذن لا يمكن إبقاء ما حدث سرا وبالتالي لن يمر بوالديه مرور الكرام وسوف يواجه باللوم. وإذا لم يكن هذا كافياً، سيأتي الطبيب لحقنه واحد وعشرون مرة في بطنه كما قالت السيدة، وسيكون عليه مواجهة آلام العض وآلام الحقن وآلام الظن السيء، كما سيكون عليه الاعتراف للقس بإثم لم يقترفه. ولو بقي في الخرابة سيتضور جوعاً، ولو تحمل الجوع سيتمكن منه السعار، ولو إنسعر سيسمع الناس عوائه وسيأتي الأشقياء لتقييده وخنقه. كانت تلك هي نهاية العالم الذي يعرفه كافكا. لقد انتهى عهد الأمان وحل محله عهد الظلام القاسي.

ساعات قليلة مرت قبل أن يتنبه كافكا المتكور على نفسه في ظلمة البيت الخرب إلى أصوات تنادي اسمه، استطاع تمييز صوت أبيه بينهم، شعر باقتراب الأصوات منه، سمع أقداما تحوم حول الخرابة، إجهش بالبكاء، خاف أن يسمع أحد صوته فوضع يداه على فمه، حبس أنفاسه حتى تبتعد الأقدام والأصوات. تنبه لكونه في خرابه قد تحوي بعض القوارض أو الحشرات التي ستنقض عليه في أي لحظة، ولو تفادي البشر بالخارج لن يتفادى الفئران والخنافس بالداخل. تحسس مكان العضة في وجهه فوجد الشعر قد بدأ ينمو حولها. إنه يتحول لكلب. لن يكون الأمر سيئاً بعد برهة، سيكون ملكاً على عرش الخرابة، من يفكر في الاقتراب سيلتهمه حياً.

مرت ساعات أخري وسكن العالم. الكل قد خلد إلى النوم، بجوار المدافئ، تحت الأغطية، وتحت الأسقف المتينة. أما كافكا الذي كان يلهث بلا انقطاع فقد عرف الوسن طريقاً لعينيه المرهقتين أخيراً. راح يتثاءب وقد استطال لسانه ليتدلى من بين أنيابه. لم يتوقف الشعر عن النمو في جسده، زحف إلى أطرافه، تمدد إلى أخمص قدميه وإلى أعلى رأسه، تدبب من مؤخرته صانعا ذيلاً كثيفاً.


كسته الهيئة الجديدة برباطة جأش، وقد رأى في ذلك قوة ستمكنه من رفع الظلم عن الضعفاء. سوف يعاقب العالم على سوء ظنه. سيعقر أهل الزقاق، الواحد تلو الآخر. سيفتك بأشقيائهم، من يقيدون الكلاب. سيجوب الشوارع فارضاً سطوته، معيداً للعالم بعض العدالة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حبك سفاح والمأزق الفكري

  من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟ فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.  “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟  الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليت...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

بِكاليفورنيا تَحْلُمُ

" كيف كتب جون وميشيل أغنيتهم! " نيويورك في شتاء 1963. كانت الأضواء تتكسر على الأرصفة المبتلة في المدينة التي لا تنام، والناس يهرولون تحت المظلات، يحمل بعضهم وحدته وكوب قهوة. وفي شقة صغيرة، جلس جون فيليبس قرب نافذة زجاجية، يدخن سيجارة تتلاشى بين أصابعه. بجواره جيتار يستند إلى الحائط. على الطاولة كوب شاي بارد، وجمل موسيقية مبعثرة. وقفت ميشيل أمام المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية. كانت تنظر إلى اللهب، لكن عينيها بدتا مشغولتين بشيء بعيد. قالت: «تدري، أنا مشتاقة إلى الشمس». التفت إليها: «الشمس؟ احلمي يا ميمي، الشمس هنا نقرأ عنها في الجرائد!». ابتسمت، لكنها لم تضحك. اقتربت من النافذة ونظرت إلى الشارع. «كاليفورنيا..»، قالت. راقب انعكاس وجهها على الزجاج. كان يعرف هذا الحنين الذي يلوح في عينيها. أردفت: «كان كل يومٍ هناك يشبه وعدًا بالدفء. كل شيء هنا رمادي، حتى صوتي». جلس على الكرسي، وتشبّث بجيتاره، وبدأ يعزف لحنًا بسيطًا، يدور في رأسه منذ أيام، شيئًا بين الصراخ والحنين. كان جون وزوجته ميشيل قد قدما إلى نيويورك بحثًا عن الفرص. سألها وهو يعزف: «كيف كنتِ تشعرين عندما كنتِ هناك.. في كاليفورنيا...