اعتدت العمل خلف بار المطعم الرئيسي في أمسيات الجمعة،
يوم وصول الوفود الجديدة إلى الفندق. كانت تلك الليالي تتحول إلى احتفال كامل؛ الطهاة
يجهزون البوفيهات، والنُدُل يرتدون الجلاليب والعمائم، وصوت المزمار والطبل
الصعيدي يستقبل النزلاء القادمين من ألمانيا وروسيا البيضاء وأوروبا الشرقية. وفي
خضم ذلك الصخب، كنت أراقب الوجوه الجديدة دون اهتمام حقيقي… حتى رأيتها.
اقترب شاب في العشرينيات من البار يحمل كأسين. طلب أن
أملأ أحدهما بالنبيذ الأبيض، ثم ملأ الآخر بنفسه من ماكينة الماء البارد. شكرني
بهدوء واتجه إلى طاولة في الركن المطل على المسرح والحديقة. كانت تنتظره هناك؛
فتاة نحيلة ترتدي سروالًا قصيرًا وقميصًا بنفسجيًا، وعلى رأسها طاقية بيضاء بالكاد
تخفي رأسًا يخلو تمامًا من الشعر.
جلس قبالتها، همس لها بشيء جعلها تضحك، ثم طبع قبلة على
يدها وأخرى على خدها قبل أن يبدأا الطعام، بينما كان المطعم يغص بالنزلاء
المنشغلين بالكشري واللحوم والحلوى الشرقية.
بحكم موقع البار، كنت أراهما كلما رفعت رأسي. كانت الفتاة
تملك عينين بلون الزئبق المشوب بالفيروز، بلا حاجبين. لم أستطع أن أمنع نفسي من
التأمل. حاولت أن أجد تفسيرًا لرأسها الحليق: هل هي فيمينيست مخبولة؟ أم أنها
“سكين هيد” مبتدئة؟ لكنها بدت ناعمة، خجولة، مرحة، ويحيط بها هدوء يصعب تفسيره.
عندما غادرا تلك الليلة، التفت الشاب نحوي قائلًا:
"باي."
ابتسمت الفتاة هي الأخرى، ورددت الكلمة بابتسامة أوسع من
وجهها الشاحب. لا أعرف إن كانا قد لاحظا أنني كنت أراقبهما طوال الأمسية.
في الأيام التالية انتقلت إلى بار مطعم الشاطئ، وهناك
فوجئت بهما. كان الشاب يفعل الشيء نفسه كل يوم تقريبًا؛ يأخذ قليلًا من الطعام، ثم
يعود إلى البار بكأسين، أحدهما للنبيذ والآخر للماء. نتبادل دعابة قصيرة قبل أن
يعتذر بابتسامة ويعود إليها سريعًا، كأنه لا يحتمل أن يتركها وحدها أكثر من دقيقة.
صرت أنتظر ظهورهما دون أن أعترف بذلك لنفسي. لاحظت مديرة
الأنشطة الترفيهية كثرة شرودي خارج البار، فسألتني عمّا يشد انتباهي. أشرت إلى
الفتاة. ابتسمت بدهشة وسألتني إن كنت معجبًا بها. نفيت، وقلت إنها تثير فضولي لا
أكثر. لم تعلق، واكتفت بابتسامة وهي تخرج سيجارة من علبتها، ثم اتجهت وجلست معهما
لبعض الوقت. كانا يعرفانها؛ فهي مسؤولة عن ترفيه نزلاء الفندق، ولذلك لم يكن
غريبًا أن يستقبلاها بحرارة.
بعد قليل عادت إليّ، أشعلت سيجارتها أخيرًا، وقالت:
"كانت في شتوتجارت. السرطان كان في مرحلة متقدمة، وانتهت لتوها من إحدى
مراحل العلاج. جاء بها حبيبها إلى هنا قبل أن تعود لاستكماله."
أنهت عباراتها ببساطة جعلت الخبر أكثر قسوة، وكأنها
تخبرني بحالة الطقس. أما أنا، فشعرت أن كل ما كنت أظنه عن تلك الفتاة قد انهار
دفعة واحدة.
ملأت كأسًا بالنبيذ الأبيض وآخر بالماء البارد.
قلت، وأنا أضع الكأسين أمامهما:
"من الجميل أن أراكما معًا. أتمنى لكما كل السعادة"
ابتسم الشاب. أما هي، فاتسعت ابتسامتها حتى بددت شحوب
وجهها. سألني إن كنت مرتبطًا، فنفيت مبتسمًا.
قالت الفتاة بصوت هادئ:
"أتمنى أن تجد يومًا كل الحب الذي تستحقه"
لم أعرف بماذا أجيب. اكتفيت بابتسامة، وعدت إلى عملي.
مرّ الأسبوع سريعًا، وغادر الوفد. وفي الجمعة التالية،
وقفت أراقب الوجوه الجديدة كعادتي، لكنني كنت أبحث بين الغرباء عن فتاة أعرف أنها
ليست بينهم.
بقيت صورتها في ذهني؛ فتاة شجاعة حالمة، يرافقها شاب لا يرى في العالم كله سواها. خطر لي أن الحياة ليست سيئة تماما. حينها فقط تذكرت المثل الشعبي: "اللي خدته القرعا". للمرة الأولى بدا المثل ناقصًا. لقد كانت تملك رأسًا يخلو من الشعر.. ويزدحم بالأمل.
تعليقات