التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جسد للرقص



في بُعدٍ موازٍ يُعرف بـ «زينيث»، حيث تعيش نسخة الأرض في عام 39667، وحيث الحواسيب في كل زاوية، أشبه بأعصابٍ مكشوفةٍ تنبض بالمعلومات. والأقمار الصناعية تدور حول الكوكب كأسرابٍ من الجراد الفولاذي. كان سِد، فتى في الثانية عشرة، يهرول في الطريق، عيناه تضيقان كأنهما تُمسكان بخيط فكرةٍ هاربة بينما الأفكار تتصادم في رأسه الصغير كالشُّهُب.

 

كانت المهمة محددة وبسيطة، غير مسموح بفشلها.

الخطة:

ü    يدخل القاعة المخصصة لامتحان مادة الفيزياء المظلمة.

ü    عند أقرب فرصة، يضع الخرطوش الأول في الحاسب الحكومي المخصص له.

ü    تظهر أيقونة التحميل.

ü    يبدأ التحميل.

ü    الانتظار.

ü    التفعيل.

ü    يتصل البرنامج بالنظام المركزي للحكومة.

ü    يسحب الخرطوش الأول.

ü    يُدخل الخرطوش غير المستعمَل.

ü    يبحث عن كود التحكم في القمر الصناعي "سيرسي".

ü    حفظ.

ü    سحب الخرطوش.

ü    حذف البرنامج.

ü    الخروج فورًا من المدرسة.

 

توقف عند الحديقة يتأمل الإعلانات التي كان يلصقها الشاب النحيل.

قال سِد بخفوت، ووضع يده على الخرطوش الذي يحمله في جيبه:

 

"لنبدأ الحفل"

 

التفت له هنري الملصقجي دون ان يتكلم ثم انصرف الي داخل الحديقة.

 

 في الزاوية كان أوبي ينتظرهما على أحد الأرائك.. جمجمة، بلا عيون، بلا لسان، بلا أذنين. ومع ذلك، كان يشعر بالذبذبات ويميّز الأصوات، لأن روحه لا تزال تنبض بداخله. وعندما تعزف الموسيقى، يطقطق أسنانه، إنه يرقص أيضًا!

 

أشرق وجه سِد وصاح:

 

"أنا هنا يا أوبي!"

 

لمعت أسنان أوبي وطقطق طويلا، فقال له هنري:

"سوف ترقص بأرجلٍ حقيقية."

 

حمل هنري الجمجمة برفق، ومضى مع سِد عبر الحشد الهادر، متسلّلين إلى خلفية المنصّة. هناك، تكوّمت حواسيب وكابلات ومواسير خردة.

 

أخرج هنري حاسوبًا محمولًا من حقيبة الفرقة، أدخل الخرطوش، وظهرت على الشاشة مصفوفة برنامج القمر الصناعي "سيرسي". أشار بإبهامه إلى سِد، فأسرع الفتى بوضع أوبي في أعلى الكومة. ضغط هنري على زرّ الاتصال. مرّت ثوانٍ متوترة... ثم لمع ضوءٌ أزرق في السماء، وانبعث منه خيط رفيع من شعاع الكوزمو-راي صوب أوبي. راحت الكابلات تتلوّى من حوله وتنبض بشراراتٍ كهربائية، تتحوّل إلى أفاعٍ معدنيةٍ تبتلع كومة الخردة، ثم التحمت الجمجمة بها، فتصاعد الدخان وانصهر كل شيء في كتلةٍ من الهلام الكهربائيّ. وبين الذهول والرهبة، بدأ الشكل ينتصب.. تحوّر، وخرجت منه ذراعان، ثم ساقان، ومن أعلاه أطلّ أوبي يشعّ بنورٍ أرجوانيّ.

 

صعد هنري وسِد إلى المنصّة، وجوههما مغطّاة بأقنعةٍ من المرايا تعكس وجوه الجمهور. آلاتهم الموسيقية تلمع، وكل سلكٍ فيها ينبض كشريان..

 

وداعًا أيها العصفور،

بأعلى السماء

إلى أيّ مدى بعيدٍ تستطيع الطيران؟

 

وثب السايبورج أوبي وحلق عالياً، راح يدور فوق المنصة ويطلق أشعة زرقاء وأرجوانية، ثم هبط على المنصة ليصاحب الفرقة بالرقص، وسط صرخات الانبهار ودوي صفارات الإنذار..

 

وداعًا أيها العصفور،

ارسل لي بطاقة بريدية،

ربما غدًا،

عندما تصل إلى البيت. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حبك سفاح والمأزق الفكري

  من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟ فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.  “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟  الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليت...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

بِكاليفورنيا تَحْلُمُ

" كيف كتب جون وميشيل أغنيتهم! " نيويورك في شتاء 1963. كانت الأضواء تتكسر على الأرصفة المبتلة في المدينة التي لا تنام، والناس يهرولون تحت المظلات، يحمل بعضهم وحدته وكوب قهوة. وفي شقة صغيرة، جلس جون فيليبس قرب نافذة زجاجية، يدخن سيجارة تتلاشى بين أصابعه. بجواره جيتار يستند إلى الحائط. على الطاولة كوب شاي بارد، وجمل موسيقية مبعثرة. وقفت ميشيل أمام المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية. كانت تنظر إلى اللهب، لكن عينيها بدتا مشغولتين بشيء بعيد. قالت: «تدري، أنا مشتاقة إلى الشمس». التفت إليها: «الشمس؟ احلمي يا ميمي، الشمس هنا نقرأ عنها في الجرائد!». ابتسمت، لكنها لم تضحك. اقتربت من النافذة ونظرت إلى الشارع. «كاليفورنيا..»، قالت. راقب انعكاس وجهها على الزجاج. كان يعرف هذا الحنين الذي يلوح في عينيها. أردفت: «كان كل يومٍ هناك يشبه وعدًا بالدفء. كل شيء هنا رمادي، حتى صوتي». جلس على الكرسي، وتشبّث بجيتاره، وبدأ يعزف لحنًا بسيطًا، يدور في رأسه منذ أيام، شيئًا بين الصراخ والحنين. كان جون وزوجته ميشيل قد قدما إلى نيويورك بحثًا عن الفرص. سألها وهو يعزف: «كيف كنتِ تشعرين عندما كنتِ هناك.. في كاليفورنيا...