التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مارجريتا

 



لقد أفسدَ الفلبيني مزاجي تمامًا، ويجب أن يدفعَ ثمنَ ذلك. لا شيءَ على وجهِ الأرض يستطيع منعي من الانتقام، لكن قبل أن أفصلَ رأسَه عن جسده سأحرصُ جيدًا على جعله نادمًا؛ سيعرفُ أنّه لم يكن سوى لئيمٍ مغرور، ابنُ عاهرةٍ يستحقُّ الموت.

 

ولماذا يستحقُ الموت؟

لأنه باعَ لي كعكةَ الزبدةِ الأسكتلنديةِ منزوعةَ الكرزات. نعم، هذا الفلبيني ذو الابتسامة الماكرة استغلَّني وباعَ لي الكعكة واحتفظَ لنفسه بالكرزات. لابدَّ وأنه يضحك ملءَ فاهٍ الآن، بينما الحُمرةُ تصبغ لسانَه وهو يحكي لزملائه عن المغفل الذي اشتراها منزوعةَ الكرز.

 

القصةُ تبدأ في ليلةِ الخميس. كعادتنا التقينا في سيارةِ الحبشي؛ كان هناك حبشيٌّ آخر، يمنيُّ نحيفٌ كالعصا، هنديٌّ أصلع تقريبًا وله شاربٌ كثيف—في الأصل هنديٌّ بالطبع، لكنه يؤكد أنّه من كيرالا—ما علينا. كان هناك أيضًا بحريني، وأنا المصري. معنا ثلاثُ زجاجاتِ مارجريتا مهربة أحضرها البحريني—هذا سرٌّ لا ينبغي أن يعرفَه أحد—والماريخوانا المهربة أحضرها الحبشي الثاني. الحبشي الأول صاحبُ الدفع الرباعي الكبير أوقفَ بنا عند الهايبرماركت. ترجلتُ مع اليمني قاصدين قسمَ المأكولاتِ الساخنة.

 

لم تكن رغبةٌ لديّ في شيءٍ سوى قطعةٍ من كعكٍ هشٍّ مضمَّخٍ بالكريمة الطازجة، ملوّنٍ بالزبدةِ الأسكتلندية، يعلوه كرزةٌ لامعةٌ قانيةُ الحمرة. تركتُ اليمني—النحيفَ كالعصا—يشتري المعتادَ من برياني وفاهيتا ولفائفٍ لم أفهمْ حتى الآن لماذا هي ربيعية. لما لا تكون هناك لفائفُ صيفيةٌ ولفائفُ شتوية؟ فالشتاءُ ليس فقط للقهوة وصوت فيروز وحساء العدس؛ للشتاء أيضًا لفائفُه.

 

حرّكتُ وجهي إلى اليمين واتخذتُ خطواتٍ لا إرادية. كان هناك عشرون نوعًا على الأقلّ من الكعك: فراولة، مانجو، أناناس، فواكهٌ استوائية، قهوةٌ أيرلندية، شوكولاتةٌ ومعجونُ بندقٍ، ناهيك عن الأربع فصول والغابةِ السوداء والغابةِ البيضاء. كلّها تبدو قطعًا فنيةً ناقصةً جوارَ الجمالِ الحقيقي والكمالِ النادر—كعكةُ الزبدةِ الأسكتلندية، تستقرُّ في فاترينةِ العرض كبيضةِ فابرجيه أو تاجِ المملكةِ المتحدة.

 

استعرَضَ الشبقُ في داخلي؛ تخيّلت ملمسَ الكرزةِ، طعمَها، بقايا حمرتِها على كتلةِ الكريمةِ الحلزونية: ثلاثُ طبقاتٍ محشوةٌ ومغطاةٌ بالكريمةِ وسفاسفِ الزبدِ الأسكتلندي العظيم. هذا ما يمكنُ أن يُسمّى الجريمةَ الكاملة. المهمُّ أنني أخذتُ العبوةَ وإيصالَ البيعِ من الفلبيني الذي لا تغادرُ الابتسامةُ وجهَه، ثم انطلقتُ إلى شاطئِ المحيط لبدءِ حفلِنا الأسبوعي.

 

لمن لا يعرف مارجريتا كانسينو: إنه الاسمُ الحقيقي لسالومي القرنِ العشرين—ريتا هيوارث، التي أدّت تلك الرقصةَ في فيلم «جيلدا» فأشعلت نارَ الغيرةِ في قلوبِ النساء وأذابت قلوبَ الرجال في مراجلِ الشبق؛ رمزُ الأنوثةِ الطاغية وأخطرُ ممثلاتِ الإغراء في عصرِها. لقد وضعوا صورتَها على القنبلةِ النوويةِ التي أُلقيت على اليابان وأنهت الحربَ العالميةَ الثانية بانتصارِ الحلفاءِ. كان من اللائق أن يُطلَق على هذا الشرابِ الفخمِ اسمُ تلك المرأة—مارجريتا. نعم، ملكةُ جمالِ الكحوليات فعلت بنا الأفاعيل. أضِف الماريخوانا.. وحدثَ بلا حرج.

 

عدتُ إلى الشاطئ وتركتهم يسبحون ويصيحون. كان الوقتُ مناسبًا تمامًا للكعكة لولا الصدمةُ التي أفسدت بهجةَ الليل وقتلت كلَّ رغبةٍ للمرح: قررتُ الانتقامَ من الفلبيني.

 

ارتديت ملابسي، سحبت المفتاحَ من ملابسِ الحبشي، وانطلقت بالسيارة متّجهًا إلى الماركت. لم يقترب الوقت من منتصفِ الليل بعد؛ كانت السيارة تسير وكأنّ الطريق يطوى من تحتها طيًّا. كيف خرج كلّ هؤلاء البشر إلى الطريق وكيف مررتُّ بينهم دون خدشٍ واحدةٍ لم أعرف. المهمُّ أنني وصلتُ إلى ساحةِ الركن ثم دخلت. كانت نوبةُ الفلبيني قد انتهت. حاولتُ معرفةَ عنوانِه من زملائه دون فائدة؛ بدا عليهم أن الأمرَ غيرُ مطمئنٍ رغم محاولاتي في التظاهرِ بالهدوء.

 

خرجتُ من المتجر خائبًا. أعطيت حارسَ السياراتِ بقشيشًا، سألته فأخبرني أن الفلبينيين يسكنون جميعًا في بنايةٍ بعد عدةِ تقاطعات.

 

كانت البناية تقف في زقاقٍ ضيّق، تسدُّه سياراتُ الشرطة.

هل كنتُ أتراجع؟

بالطبع لا، وألفُ لا.

 

كان سكانُ البناية مصطفّين أمام الأبواب، يتبادلون الأحاديثِ والضحكات. ولأنني لا أفقهُ الهنديةَ ولا البنغاليةَ، واصلتُ الصعود حتى بلغتُ الطابقَ الثالث. هناك كانت الشرطة تتكدّس داخل إحدى الشقق، فيما انشغل الخبراء بتفحّصِ المكان بحثًا عن بصماتٍ أو آثارٍ هلامية. فقد أبلغتهم صاحبةُ الشقة—الهندية—أن اثنين من الكائناتِ الفضائيةِ هبطا في شقتها، وتناولا اللحمَ بالكاري، ثم قدّما لها قنينةَ شرابٍ سحريٍّ وعداها بأنه سيجعلها بيضاءَ البشرة. نامت بعد ذلك، لكنها حين استيقظت وجدت الشقةَ خاويةً على عروشِها.. لقد أخذوا كلَّ شيء.

وأنا أحاول أن أجد لنفسي طريقًا بين رجالِ الشرطة، استوقفني أحدهم وسألني عن مقصدي. قلت إنني في زيارةٍ لصديقٍ. سألني عن سببِ احمرارِ عيني، فأجبته: "ملحُ البحر". ابتسم وقال: "ملحُ البحر، نعم، يبدو أنك شربت كثيرًا من البحر إذًا". تركني أواصل طريقي متسللًا بين الواقفين.

 

كنت أبحث عنه بعيني حتى لمحته على السلم بين الطابقين السادس والسابع. أمسكتُ بتلابيبه، فاحمرّ وجهُه، وتمتمَ بالعربيةِ المكسّرةِ بأنه مستعدٌّ لتعويضي. أخرج من صدره كيسًا صغيرًا وأعطانيه؛ قال إنه يحتوي بذورَ كرزٍ عجيبةٍ، ليست كَباقي البذور. تحدّث عن قدرتِها السحرية بثقةٍ مريبة. ربما ظنّ أنّه أذكى، أو أنّني ساذج، لكنني أقسمت له أنني سأعودَ لسحقِ جمجمته إن كان يكذب.

 

عندما مررتُ بالطابقِ الثالث مجددًا، أوقفني شرطيٌّ وسألني بنبرةٍ جادة:

"هل رأيتَ كائناتٍ فضائيةٍ بالجوار؟"

 

عدتُ إلى شاطئِ المحيط، وحكيتُ لهم كلَّ ما جرى. ضحكوا حين قلّدت لكنةَ المرأةِ التي أقسمت أن الكائناتِ الفضائيةَ لم تتحرّش بها. حانت اللحظة؛ قررنا أن نرى مفعولَ بذورِ الكرز. غرستُ إحداها في الرمال، سكبت عليها قليلًا من الماء، وانتظرنا. لم تمضِ دقيقةٌ حتى ارتجّ الشاطئُ، وانبثق من موضعِ البذرةِ جذعٌ قرمزيٌّ متضخّم. ابتعدنا عنه في ذعرٍ ودهشة، بينما كان ينتصبُ ويتمددُ صوبَ السماءِ بسرعةٍ هائلة.

 

كان الوقت مناسبًا لتسلّقِ الجذع، فالفجر خالٍ من العيون، والشاطئ لنا وحدنا. لا أعلم كم استغرقنا في الصعود، لكننا بلغنا ما فوق السحاب، حيث كان هذا الإغريقي يقود عربةً يجرّ بها القمر، متبخترًا في مقدمةِ موكبٍ من حورياتِ الجوّ. إلى هنا بدا المشهدُ عاديًا، لكن تلك الصخرةَ المخروطيةَ كانت العجب بعينه؛ كيف تستقرُّ في الفضاء؟ لا أعلم.

 

تابعنا السير في ممرٍ حلزونيٍّ يصعدُ بنا إلى قمّةِ الصخرةِ العظيمة. هناك، في أعالي دربِ اللبّانة، بدا الوصفُ بخيلًا أمام ما نراه: شلالاتٌ حمراءُ تهدرُ من صخورٍ شفافةٍ، أشجارُ كرزٍ لامعة، وساقانِ طويلتان كأنهما لتمثالٍ عملاقٍ يطلّ على المجرّة. وفي أرجاءِ المكان تردّد صوتٌ كأنه حلمٌ قديم:

 

"عندما أسقطت بقرةُ السيدةِ أوليري مصباحَ الكيروسين

في مدينةِ شيكاجو،

قالوا أن هذا ما بدأَ النيرانَ

التي أحرقت شيكاجو تمامًا"

 

كانت ريتا—جيلدا الملتهبةُ من فرطِ الرغبة—تتحرّك عاريةً في كلِّ مكان. تتبعناها راكضين، توسطنا ساقيها محدّقين بالأعلى.

امتدّت يدٌها الناعمة والتقطتني لأعلى فمررت بأوديةٍ خمريةِ اللون ثم توقّفت اليدُ في منخفضٍ بين كتلتَي لحمٍ فواح، فوق قلبِها تمامًا.

 

"تلك هي القصةُ المتداولة

ولكن ها هي الحقيقة بالأسفل،

ضعوا اللومَ على مايم يا أولاد،

ضعوا اللومَ على مايم"

 

كان شعرها النحاسي يشتعل تحت الأضواء كأنّ النار تبتسم، وشفاهها كحبةِ كرزٍ غرِقَت في الخمر. في عينيها شيء من الغموض الإسباني، وشيء من الكبرياء الذي يجعل الرجُلَ يتردد بين العبادة والانتحار. حين تضحك، تتهدم المدن القديمة، وحين تلتفت، يتغيّر مدار الكواكب. لم تكن امرأةً، كانت وعدًا بالخطيئة مكتوبًا بحمرة الكرز.

 

كانت تغنّي مبتسمةً، تطالعني في كفِّها، تنظر في عينيّ بشغفٍ طافحٍ بالخمر، بينما كنتُ ألعقُ نبيذَ جلدِها هامسًا: "جيلدا... مارجريتا... لا تتوقفي.".

 

"مايم تبادلت قبلةً مع بائعٍ من خارجِ المدينة،

القبلةُ التي أحرقت شيكاجو تمامًا،

ضعوا اللومَ على مايم إذن، يا أولاد

ضعوا اللومَ على مايم"

 

كانت حورياتُ الجوّ تحوم وتلمع كلهبِ الشموع، تطوف حولَ جسدِ ريتا، تلتفُّ كسوارٍ حول معصمِ يدِها التي تحملني كدميةٍ، تزفّني إلى شفتيها. أهتفُ باسم ريتا، تقبلني ريتا مرةً ثم مرةً، فيهوى قلبي وأسقط من يدِها في حفرةٍ لانهائيةٍ. أقابلُ في الهواء أرنبًا يصيح: "لقد تأخرت، لقد تأخرت."


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حبك سفاح والمأزق الفكري

  من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟ فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.  “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟  الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليت...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

بِكاليفورنيا تَحْلُمُ

" كيف كتب جون وميشيل أغنيتهم! " نيويورك في شتاء 1963. كانت الأضواء تتكسر على الأرصفة المبتلة في المدينة التي لا تنام، والناس يهرولون تحت المظلات، يحمل بعضهم وحدته وكوب قهوة. وفي شقة صغيرة، جلس جون فيليبس قرب نافذة زجاجية، يدخن سيجارة تتلاشى بين أصابعه. بجواره جيتار يستند إلى الحائط. على الطاولة كوب شاي بارد، وجمل موسيقية مبعثرة. وقفت ميشيل أمام المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية. كانت تنظر إلى اللهب، لكن عينيها بدتا مشغولتين بشيء بعيد. قالت: «تدري، أنا مشتاقة إلى الشمس». التفت إليها: «الشمس؟ احلمي يا ميمي، الشمس هنا نقرأ عنها في الجرائد!». ابتسمت، لكنها لم تضحك. اقتربت من النافذة ونظرت إلى الشارع. «كاليفورنيا..»، قالت. راقب انعكاس وجهها على الزجاج. كان يعرف هذا الحنين الذي يلوح في عينيها. أردفت: «كان كل يومٍ هناك يشبه وعدًا بالدفء. كل شيء هنا رمادي، حتى صوتي». جلس على الكرسي، وتشبّث بجيتاره، وبدأ يعزف لحنًا بسيطًا، يدور في رأسه منذ أيام، شيئًا بين الصراخ والحنين. كان جون وزوجته ميشيل قد قدما إلى نيويورك بحثًا عن الفرص. سألها وهو يعزف: «كيف كنتِ تشعرين عندما كنتِ هناك.. في كاليفورنيا...