معرفة قديمة
شارع قوله.
محلات قطع غيار السيارات. المقهى. الورش والصنايعية. ضحكاتهم ومناوشاتهم. قطرات العرق. الشاي وسجائر كليوباترا ورائحة الطعمية. عمارات مختلفة الطرز، ومزيج من بقايا الكوزموبوليتانية والإقطاع والانفتاح. العمارة التي استقرت بها الآنسة أم كلثوم قبل أن تصبح كوكب الشرق. صوت أنفاس جدي وخطواته على الأرصفة ذهابًا وإيابًا. المكوجي والرفّا والزجّاج ما زالوا أصدقاء.
لم يتغير سوى الأوجه إذن.
في نهايته كان عم شوقي ينتظرني في شرفتة المطلة على حوش عثمان كتخدا. أحمد شوقي. رسام عجوز، وصديق جدي اللدود. كان قد توقف عن التدخين منذ سنوات، لكنه ما زال يحتفظ بغليونه. يضعه بين أسنانه أحيانًا، أو يشير به إلى الناس والأشياء.
كنت أزور عم شوقي وأنا صغير. أجلس إلى جواره وأشاهده يرسم، ثم أملّ فأعبث بالألوان أو أقلب الكتب والصور. كان يحكي لي عن قصر عابدين، والمقاهي القديمة، والخواجات، والمطاعم التي اختفت، والنساء اللاتي كن يمشين في وسط البلد بقبعات صغيرة وقفازات، وعن جدي الذي كان، بحسب روايته، يملك قدرة خارقة على إفساد أي نقاش في الفن.
— جدك ما كانش بيفهم في الفن.
— وإنت كنت بتقوله كده؟
— طبعًا لأ.
ضحكت.
أعاد الغليون إلى فمه، ونظر إلى الشارع.
— الله يرحمه.. كان كلب.
ابتسمت.
كان جدي، عبد الله خطاب، ابن عائلة من أعيان الصعيد. العبارة نفسها كانت تتكرر في البيت كثيرًا، خصوصًا حين تريد أمي أن تذكّرني بأنني لا أتصرف بالطريقة التي ينبغي أن يتصرف بها رجل من عائلتنا.
أعيان الصعيد.
كلمتان واسعتان بما يكفي لإخفاء أشياء كثيرة: أرض، مصانع، بيوت، عمال، خدم، خصومات، مواريث، وصور رجال يرتدون الطرابيش ولا يبتسمون أمام الكاميرا.
بعد الثورة تقلص كل ذلك تدريجيًا. ذهبت الأراضي، وذهبت المصانع، وتفرقت الممتلكات بين قوانين ومصادرات وتأميمات وورثة لم يعودوا يعرفون ماذا يفعلون بما بقي. احتفظ جدي بمكتب السياحة في شارع طلعت حرب.
قال عم شوقي:
— جدتك اللي كانت فنانة.
جدتي صباح.
لم أرها يومًا فنانة، بالمعنى الذي يقصده عم شوقي. لم ترسم لوحات. كانت ست بيت، وهذا تقريبًا كل ما كانت تسمح لنفسها بأن تكونه. لكنها كانت تفعل ذلك بإفراط.
كانت مجلة «حواء» في البيت بانتظام، ومعها أعداد «بوردا» التي تحفظ منها الباترونات. على منضدة صغيرة إلى جوار النافذة كانت ماكينة سنجر السوداء، وفي الأدراج بكرات خيط وإبر وأزرار ومازورة وبقايا قماش بكل الألوان. كانت تخيط وتطرز وتحوك، ثم تدخل المطبخ لتجرب وصفة قرأتها لنظيرة نقولا. بعض ذكرياتي عن جدتي روائح. سمن ساخن. قرفة. قماش جديد. قهوة. وصابون نابلسي.
كان أبي ابنها الوحيد. محمد عبد الله خطاب.
قال عم شوقي:
— أبوك بعد النكسة حب يسافر زي كل العيال وقتها. صباح باعت اللي فضل لها وفتحت له شغل في إسكندرية عشان يفضل هنا.
كنت أعرف الحكاية. لكن الحكايات العائلية تتغير كلما مات واحد ممن عاشوها. تصبح أقصر، وأنظف، وأكثر بطولة.
درس أبي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة في الستينيات. كان يدرس العلوم الاجتماعية. كانت الجامعة وقتها جزءًا من وسط البلد، لا جزيرة بعيدة عنها. ميدان التحرير، شارع محمد محمود، مباني قليلة وطلبة يعرف بعضهم بعضًا. وفي منتصف الستينيات اتسعت الجامعة واشترت المباني اليونانية القريبة. كان أبي يحكي عن الكافيتريا وملاعب التنس والمسرح، وعن الطلبة الذين يقضون بين المحاضرات وقتًا أطول مما يقضونه داخلها.
احتفظ بصورة من تلك الفترة. أربعة شباب أمام الجامعة. أبي في المنتصف، نحيفًا، يرتدي قميصًا أبيض مطوي الأكمام، ونظارة شمسية، وفي يده كتاب.
لا أعرف لماذا كان أبي يبدو في الصور القديمة أكثر حرية من الرجل الذي عرفته. ربما كل الآباء كانوا كذلك قبل أن يصبحوا آباء.
في يونيو 1967 تغيرت أشياء كثيرة. فكر في السفر. كانت أوروبا وأمريكا تبتلعان أبناء عائلات كثيرة ممن عرفهم. دراسة. عمل. بداية جديدة. أي اسم يصلح للهروب. لكن صباح لم تكن مستعدة لأن تفقد ابنها الوحيد بعد أن فقدت العائلة ما يكفي. استخدمت ما تبقى لها من مال، وما بقي للعائلة من علاقات، وساعدته على فتح فرع لمكتب السياحة في الإسكندرية.
بقي أبي.
ثم جاءت حرب أخرى.
ثم جاءت سنوات بدا فيها أن البلد قررت فجأة أن تفتح النوافذ كلها في وقت واحد.
الانفتاح.
كلمة دخلت البيوت قبل أن نفهم معناها.
بضائع جديدة. توكيلات. شركات. استيراد. سفر. ناس تصعد بسرعة وناس تكتشف أن السلم الذي تعرفه لم يعد في مكانه.
هناك دخلت أمي الحكاية. كانت من عائلة إسكندرانية ثرية، ذات أصول تركية وشركسية. تربية شديدة. مواعيد. أصول. أدوات مائدة لكل شيء. أسماء أقارب لا يجوز نسيانها. ومن الخطأ أن تذهب إلى أحد بلا موعد، ومن الخطأ الأكبر أن تعتذر عن مناسبة عائلية.
تزوجت أبي، ثم بدأت تعمل معه. عرفت كيف تستفيد من العلاقات القديمة في مدينة بدأت تتغير. أرادت ألا يبقى العمل مكتبًا للسياحة فقط. الاستيراد والتصدير والتوكيلات، موضة العصر.
كان أبي أكثر هدوءًا. وأمي كانت ترى الحياة مشروعًا يجب إدارته. ربما لهذا نجح زواجهما.
في الإسكندرية كان أبي وأمي ونادي سبورتنج والمدرسة. وفي القاهرة كان جدي وجدتي وشارع قوله.
كنت أذهب إلى سبورتنج مع أبي وأمي وأقاربها. تعلمت السباحة مبكرًا. لعبت كرة القدم فترة أقصر مما تمنيت. لم أكن لاعبًا عظيمًا، لكنني كنت أجيد الجري، وأكره الهزيمة، وأعود إلى البيت بركب مخدوشة تجعل أمي تسأل أبي لماذا يدفعان اشتراك النادي إذا كنت سأعود كل مرة كأني كنت ألعب في الشارع.
لم يكن لي أصدقاء كثيرون.
في الإسكندرية كنت ابن محمد خطاب. وفي القاهرة كنت حفيد عبد الله.
وفي شارع قوله لم يكن أحد يهتم بكل هذا. هناك كنت أحمد فقط. وأحيانًا: الواد الإسكندراني.
كنت أقف في الشرفة أتفرج على الأولاد وهم يلعبون تحت البيت. وكان علي عماد بينهم.
علي لم يكن أكبرهم، لكنه كان يتصرف كأنه المسؤول عنهم جميعًا. وإذا بدأت خناقة، كان من المستبعد أن يكون بعيدًا عنها.
رآني مرة واقفًا في الشرفة.
رفع رأسه.
— إنت.
لم أرد.
— أيوه إنت يا خواجة.
قلت:
— نعم؟
ضحك الأولاد.
قال:
— تنزل ولا بتتفرج علينا؟
لا أعرف لماذا نزلت.
ربما لأنني كرهت كلمة «خواجة». وربما لأنني كنت أنتظر أحدًا يقولها لي منذ زمن:
انزل.
وصار علي جزءًا من إجازاتي في القاهرة.
عرفني على الحواري المتفرعة من شارع قوله، وعلى الأماكن التي لم تكن جدتي تسمح لي بالذهاب إليها، وعلى الأولاد الذين يسألونك في أي مدرسة تتعلم.
ومن بينهم عزت.
كان عزت بدينًا على نحو يجعل الركض خلفه مشهدًا، لكنه إذا بدأت خناقة تحول جسده إلى حائط.
كنا نلعب في حارة البكباشي أحيانًا، فتبدأ المشاكل مع عصابة عيال عطفة فضة لأسباب لا أذكر منها شيئًا. ربما كرة. ربما شتيمة. ربما لأن الأطفال يحتاجون إلى حدود جغرافية أكثر من الدول.
في إحدى المرات أمسك بي ولد أكبر مني. ظهر عزت من مكان ما ودفعه بعيدًا.
قال له:
— سيبه.
ثم وقف أمامي.
كان ذلك كل شيء.
بعد سنوات صار عزت يقف أمام السياح ويقول:
— جيف مي بقشيش.
ثم تزوج هولندية وسافر إلى هولندا.
الأطفال الذين ملأوا الشارع تفرقوا واحدًا بعد الآخر، لكنني كنت أعود دائمًا.
كبرت، والتحقت بالجامعة الأمريكية مثل أبي. لكنني لم أدرس ما درسه. اخترت الإعلام والصحافة. لم تعجب الفكرة أبي كثيرًا، ولم تعجب أمي إطلاقًا.
كان هناك عمل ينتظرني. مكتب بدأه جدي. فرع بناه أبي. نشاط وسعته أمي. تاريخ عائلي كامل يقف في نهاية الطريق، وأنا أقول لهم إنني أريد أن أكتب.
قالت أمي:
— تكتب إيه؟
لم أعرف كيف أشرح لها أن هذا هو السؤال نفسه الذي كنت أحاول الإجابة عنه.
في تلك السنوات بدأ أبي يمرض. ثم مات. لا أتذكر جنازته كاملة. أتذكر أشياء صغيرة. يد أمي. رائحة قميصي. صوت رجل يقرأ القرآن.
وعلي. كان واقفًا بعيدًا عن الجميع. لم يأت ليقول شيئًا مهمًا. لم يقل إن أبي في مكان أفضل، ولم يطلب مني أن أتماسك، ولم يشرح لي حكمة الموت. وقف فقط.
أحيانًا كل ما يستطيع الصديق فعله. أن يقف حولك كالجدار.
لم يحتمل جدي موت ابنه الوحيد. أصابته جلطة. ثم أخرى. ثم ثالثة. تحول الرجل إلى جسد يرقد في سرير. جاء ممرض ليقيم معه. وكنت بين المحاضرات أعود لأطمئن عليه.
كنت أتعلم الصحافة في الجامعة، وأتعلم في البيت شيئًا آخر: أسماء الأدوية، كيف تفرغ البول، وكيف ترفع عجوزًا من السرير من غير أن تؤلمه. كان علي يساعدني. وأحيانًا أجدهما يتواصلان بالإشارات كأنني جاسوس.
استمر جدي عامين تقريبًا. ثم مات هو الآخر.
بقيت الشقة. والصور. وماكينة سنجر. ومكتب السياحة. وأنا.
كانت أمي تدير العمل في الإسكندرية وحدها. حاولت أن أساعدها. أذهب من القاهرة إلى الإسكندرية، أوقع أوراقًا، أقابل أشخاصًا، أستمع إلى كلام عن شحنات وموردين، ثم أعود إلى القاهرة وأنا أشعر أنني قضيت يومًا كاملًا في حياة رجل آخر.
تخرجت، لكنني لم أعمل فيما درست.
دخلت الشركة. ارتديت القمصان المناسبة. ذهبت إلى الاجتماعات. تعلمت كيف أهز رأسي عندما يتحدث شخص طويلًا.
ثم تزوجت.
كانت أمي سعيدة. وهذا وحده كان ينبغي أن يقلقني.
استمر الزواج سنة ونصف. ثم انتهى.
عدت إلى أمي مطلقًا، فاستقبلت الأمر كما تستقبل صفقة فاشلة يمكن إعادة هيكلتها.
بعد فترة قالت:
— فيه بنت كويسة.
كان ينبغي أن أهرب وقتها. لكنني لم أفعل. تزوجت مرة ثانية. ابنة صديقة أمي.
في البداية حاولنا. ثم بدأ كل شيء يضيق. البيت. العمل. الأسئلة. الغيرة. الأصدقاء. الوقت. حتى السرير صار مكانًا نذهب إليه لأداء الواجب في صمت محرج.
وانتهى الزواج الثاني.
قال عم شوقي:
— هتشتغل مع أمك ولا هتفضل تلف؟
قلت:
— لقيت شغل.
— فين؟
— شركة إنتاج. عندهم محطة راديو ومجلة.
هز رأسه.
لم أعرف إن كان مقتنعًا أم لا.
وضع الغليون بين أسنانه.
— بالحق.. صاحبك طلع أجدع منك، وبيتطمن عليّا.
— صاحبي مين؟
نظر إليّ باستغراب.
— علي.
وجدت علي في بُلْبُل يُوفَاسِي.
— أنا اتطلقت.
نظر إليّ لحظة. ثم أخفى عينيه بيمناه، وراح في نوبة ضحك وشخير سببت لي حرجًا أمام الويتر الذي وضع القائمة أمامي وانصرف بهدوء.
قلت:
— أنا غلطان إني بحكيلك.
حاول أن يتوقف.
— مش قصدي.
— كسمك.
ضحك أكثر.
أعلام تركيا الصغيرة. رائحة البن المحمص وشربات السكر تحوم حولنا.
كل شيء كما هو.
«بُلْبُل يُوفَاسِي» تعني عش البلبل.
لا أشبه البلبل في الحجم، غير أني كنت أعود إلى ذلك اليُوفَاسِي. الذكريات البعيدة.
قال:
— أمك قالت إيه؟
— ولا حاجة.
— دي أخطر.
أشعل سيجارة.
— والشركة؟
— مش عارف. كنت فاكر إني ممكن أتعود.
ابتسم.
كان علي يعرفني بطريقة مزعجة. ربما لأننا عرفنا بعضنا قبل أن يصبح لدينا ما نخسره.
قلت:
— عايز أشتغل في اللي درسته.
— وأمك؟
— أمي صعبة.
— اكتشاف مش جديد.
— بصراحة أنا هربان منها.
قال:
— إنت طول عمرك هربان.
— من إيه؟
رفع كتفيه.
— لما أعرف هقولك.
خرجنا نمشي.
كان الليل قد بدأ يخفف حرارة وسط البلد. مررنا بالشوارع التي عرفناها صغارًا بأسماء مختلفة عما نعرفها الآن. محلات أغلقت، وأخرى فتحت، وواجهات تغيرت، وعمارات بقيت في أماكنها كأنها لا تعترف بما يجري تحتها.
قلت:
— هنفضل طول عمرنا نلف في وسط البلد؟
نظر علي إلى العمارات حولنا.
— وسط البلد زي الجب اللي اترمى فيه سيدنا يوسف.. هتفضل فيه إلى أن يأتيك أمر.
ضحكت.
أنا لست يوسف، ولم أرَ الكواكب تسجد لي في أحلامي.
لكنني كنت أشعر بقَدَر ما تخبئه تلك الشوارع. كنت قد ورثت من عائلتي أشياء كثيرة: اسمًا، شركة، صورًا، بيوتًا، حكايات عن أراضٍ لم أرها ومصانع لم أعرف أين كانت، وماكينة سنجر لم يجرؤ أحد على التخلص منها.
لكن وسط البلد كانت الشيء الوحيد الذي شعرت أنني اخترته بنفسي.
قلت:
— ما هو الأمر الذي سيأتيني يا ترى؟
لم يجب.
تعليقات