التخطي إلى المحتوى الرئيسي

راديو كايرو - فصل سادس



!ON AIR


هذا هو راديو كايرو، وأنتم تستمعون إلى برنامج (Up Close and Personal).
مساء الخير سيداتي وسادتي.
سأكون معكم طوال الساعة القادمة.. اسمي أحمد خطاب.
كيف حالكم يا أهل القاهرة؟
لقد طال غيابنا عنكم يا رفاق.
الجو حار في الخارج، تماماً مثل أجواء برنامجنا الليلة.
موضوعنا اليوم هو (Lose Yourself)؛ وبالطبع تتذكرون أغنية إيمينيم الشهيرة التي تحمل هذا الاسم... متى تغمركم اللحظة وتنسون كل شيء حولكم؟ ما الثمن الذي قد تدفعونه؟ هل تهمكم النتيجة النهائية؟ هل ستفكرون في الأمر، أم ستقفزون مباشرة؟
رقمنا هو (............).
شاركونا آراءكم واستمتعوا معنا بأجمل أغاني صيف 2006.


LOSE YOURSELF

أحمد خطاب | The Voice of Cairo | عدد سبتمبر 2006


بدأ الأمر بأغنية.

وهذه عادة الأشياء التي لا نأخذها بجدية في البداية.

في الحلقة الأخيرة من Up Close and Personal سألت المستمعين سؤالًا بسيطًا: متى تغمرك اللحظة فتنسى كل شيء حولك؟ متى تفعل شيئًا تعرف أنك قد تدفع ثمنه لاحقًا، ومع ذلك تفعله؟

لم أكن أتوقع أن يقضي أهل القاهرة ساعة كاملة في الاعتراف.

قالت إيناس من مصر الجديدة إنها فقدت نفسها يوم زفافها.

قلت لها:

— دي بداية متشائمة جدًا للجواز يا إيناس.

ضحكت وقالت:

— استنى بس. أنا ما قلتش إني ندمت.

كان معها حق.

ليس كل من يفقد نفسه يريد العثور عليها مرة أخرى.

اتصل أشرف من المهندسين وقال إنه كان يعمل في بنك، يتقاضى راتبًا جيدًا، ويرتدي بدلة كل صباح، ثم استيقظ ذات يوم وقرر ألا يذهب. باع سيارته بعد أسبوعين، وسافر إلى دهب.

سألته:

— وبتعمل إيه دلوقتي؟

قال:

— عندي كافيه.

— مبسوط؟

صمت قليلًا.

— مش عارف.

وكانت هذه، في رأيي، أفضل إجابة في الحلقة.


هناك سوء فهم صغير في عنوان الأغنية.

Lose Yourself لا تعني بالضرورة أن تفقد نفسك.

ربما تعني العكس تمامًا.

أن تفقد كل الأشياء التي أقنعوك بأنها أنت، حتى لا يبقى سوى الشخص الذي كنت تخفيه تحتها.

الوظيفة.

الزوجة.

العائلة.

الدين.

البلد.

الخوف.

الاسم المكتوب في البطاقة.

كل الأشياء التي نستخدمها عندما يسألنا أحد: من أنت؟

ثم تأتي لحظة لا يكون لديك فيها وقت لتقديم نفسك. وهذه هي اللحظة التي يتحدث عنها إيمينيم.

فرصة واحدة.

لحظة واحدة.

إما أن تمسك بها أو تفلت منك.

الإنترنت، بطبيعة الحال، لا يحب التفسيرات البسيطة.

هناك من يؤكد أن الأغنية تحتوي على رسائل مخفية إذا شغلت أجزاء منها بالعكس. وهناك من اكتشف، بعد مجهود يستحق التقدير، أن بعض كلماتها وإشاراتها تثبت انتماء إيمينيم إلى جماعة سرية تدير صناعة الموسيقى، وربما العالم أيضًا.

بحثت عن الجماعة.

للأسف لم أجد استمارة عضوية.

وجدت بدلًا منها عشرات المواقع التي تشرح كيف تتحكم شركات التسجيل في عقولنا، وكيف تُزرع الرسائل في الأغاني، وكيف تخفي هوليوود الحقيقة أمام أعيننا لأن أفضل مكان لإخفاء الحقيقة، كما يقول أصحاب هذه النظريات، هو أمام الجميع.

الفكرة مغرية.

ليس لأنني أصدقها.

بل لأن العالم يصبح أكثر راحة إذا صدقنا أن هناك شخصًا ما يديره.

حتى لو كان شريرًا.

فكرة وجود اثني عشر رجلًا يجلسون حول مائدة في قبو ما ويخططون لكل ما يحدث لنا أقل رعبًا بكثير من احتمال ألا يكون أحد مسؤولًا عن أي شيء.

اتصل رجل لم يقل اسمه.

كان صوته أكبر من بقية الأصوات التي سمعتها في تلك الليلة.

قال:

— الواحد مش بيفقد نفسه مرة واحدة يا أستاذ أحمد.

— أمال؟

— حتة حتة.

سألته كيف.

قال:

— كل مرة تسكت فيها عن حاجة كان المفروض تتكلم فيها، حتة. كل مرة توافق عشان خايف، حتة. كل مرة تقول معلش وهي مش معلش، حتة. لحد ما تصحى الصبح تلاقي واحد تاني بيغسل سنانه مكانك.

ضحكت.

هو لم يضحك.

قال:

— إنت فاكرني بهزر؟

قلت:

— لأ.

وانقطع الخط.

ربما كان الرجل يتحدث عن نفسه.

وربما كان يتحدث عنا جميعًا.

إن كان عام 2006 قد علّمنا شيئًا حتى الآن، فهو أن الأشياء تستطيع أن تفقد نفسها أيضًا.

السفن مثلًا.

في فبراير خرجت العبّارة «السلام 98» من ضبا متجهة إلى سفاجا وعلى متنها نحو ألف وأربعمائة إنسان، أغلبهم مصريون عائدون من السعودية. لم تصل. غرقت في البحر الأحمر.

لأيام، تابعنا الحكايات والأرقام والناجين والغرقى والأسئلة. ثم، كما نفعل دائمًا، بدأنا نتحدث عن شيء آخر.

بعدها بشهرين انفجرت دهب. ثلاثة انفجارات في مدينة يذهب إليها الناس تحديدًا لكي ينسوا العالم.

وفي أبريل أيضًا مُدّد العمل بقانون الطوارئ لعامين آخرين. القانون نفسه الذي يبدو أنه يمتلك قدرة خارقة على البقاء أكثر من البشر.

وفي مايو امتلأت شوارع وسط القاهرة بالأمن المركزي والمتظاهرين والصحفيين والناس الذين خرجوا لمساندة القضاة المطالبين باستقلال القضاء. اعتُقل العشرات، ثم صاروا أكثر من مائة. وظهر جيل جديد يحمل كاميرات صغيرة وهواتف ومدونات ويبدو مقتنعًا بأن كتابة ما يحدث قد تمنع ما يحدث من الاختفاء.

لا أعرف إن كانوا على حق. لكنني أحب الفكرة. أن تكتب شيئًا كي لا يستطيع أحد أن يقول لاحقًا إنه لم يحدث.

ثم جاء الصيف. كنا بالكاد انتهينا من كأس العالم. إيطاليا أخذت الكأس، وزيدان أنهى آخر مباراة في حياته بنطحة في صدر ماتيراتزي.

حتى أكثر الرجال هدوءًا وأناقة يمكن أن تأتيهم لحظة يفقدون فيها أنفسهم أمام مئات الملايين.

أو ربما يجدونها.

حسب تفسيرك للأمر.

ثم اشتعل لبنان.

منذ يوليو، ونحن نشاهد الحرب على شاشات التلفزيون: غارات، صواريخ، مبانٍ منهارة، جثث، أطفال، مراسلون يقفون أمام الدخان، وخريطة صغيرة في زاوية الشاشة تساعدنا على تحديد المكان الذي يموت فيه الآخرون.

في الحادي عشر من أغسطس أصدر مجلس الأمن القرار 1701، وبعد أيام توقفت العمليات القتالية على نطاق واسع.

جلسنا أمام التلفزيون ننتظر أن يخبرنا أحد إن كان هذا يعني أن الحرب انتهت.

الحروب، مثل العلاقات العاطفية السيئة، لا تنتهي دائمًا عندما يتوقف الطرفان عن الضرب.

أحيانًا ينتهي فقط الجزء المسموع منها.

أغرب مكالمة وصلتني تلك الليلة كانت من فتاة اسمها كريمة.

قالت:

— أنا عمري ما فقدت نفسي.

قلت:

— محظوظة.

قالت:

— لأ. دي المشكلة.

ثم أغلقت الخط.

فكرت في الجملة طويلًا.

ماذا لو كانت المشكلة ليست أن نفقد أنفسنا؟

ماذا لو كانت المشكلة أن نقضي حياتنا كلها نحرسها؟

نفس الوظيفة.

نفس الشارع.

نفس الأصدقاء.

نفس الأفكار.

نفس الرجل الذي ننظر إليه في المرآة كل صباح ونتظاهر بأننا ما زلنا نعرفه.

ربما يحتاج الإنسان أحيانًا إلى أن يضيع قليلًا.

ليس كثيرًا.

بالمقدار الذي يسمح له فقط بأن يعود من طريق مختلف.

وأثناء كتابة هذا المقال، اجتمع عدد من علماء الفلك في براغ لمناقشة سؤال يبدو أقل أهمية من الحرب والسياسة والزواج والطلاق:

ما هو الكوكب؟

سؤال سهل، ظاهريًا.

لكن حتى السماء اتضح أنها أكثر تعقيدًا مما تعلمناه في المدرسة.

وفي الرابع والعشرين من أغسطس قرر الاتحاد الفلكي الدولي تعريف الكوكب من جديد.

وكانت النتيجة أن بلوتو، الذي عاش في كتبنا المدرسية عشرات السنين باعتباره الكوكب التاسع، لم يعد كوكبًا بالمعنى القديم.

أصبح «كوكبًا قزمًا».

تخيل أن تستيقظ صباحًا فتكتشف أن لجنة اجتمعت في براغ وقررت أنك لم تعد الشيء الذي كنت تظن أنك عليه طوال حياتك.

بلوتو لم يتغير.

مداره لم يتغير.

جباله وجليده والمسافة بينه وبين الشمس لم تتغير.

نحن الذين غيّرنا تعريفه.

ربما يحدث الأمر نفسه معنا.

نظل كما نحن، ثم يتغير تعريف العالم من حولنا، فنجد أنفسنا فجأة شيئًا آخر.

زوجًا سابقًا.

موظفًا سابقًا.

ميتًا.

أو مجرد كوكب صغير يدور بعيدًا، لم يعد أحد مستعدًا لأن يمنحه الاسم القديم.

في نهاية البرنامج عدت إلى السؤال الأول:

إذا جاءتك اللحظة، هل ستقفز؟

وصلتني رسالة قصيرة قبل انتهاء الحلقة بدقائق:

«على حسب اللي تحت.»

ضحكت على الهواء.

وأظن أن صاحب الرسالة فهم الموضوع أفضل مني.

كلنا نتحدث عن الشجاعة كما لو أن المهم هو أن تقفز. لكن أحدًا لا يتحدث كثيرًا عما يوجد في الأسفل. ربما لهذا نقضي أعمارنا واقفين على الحافة. وربما لهذا يقفز بعضنا.

على أية حال، إذا كنتم تنتظرون مني نصيحة، فقد أخطأتم المجلة.

أنا نفسي لا أعرف أين أذهب. كل ما أعرفه أن القاهرة في هذا الصيف تبدو كأنها تنتظر شيئًا. لا أعرف ما هو. وربما هي أيضًا لا تعرف. لكن هناك لحظات تشعر فيها أن مدينة كاملة تحبس أنفاسها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حبك سفاح والمأزق الفكري

  من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟ فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.  “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟  الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليت...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

بِكاليفورنيا تَحْلُمُ

" كيف كتب جون وميشيل أغنيتهم! " نيويورك في شتاء 1963. كانت الأضواء تتكسر على الأرصفة المبتلة في المدينة التي لا تنام، والناس يهرولون تحت المظلات، يحمل بعضهم وحدته وكوب قهوة. وفي شقة صغيرة، جلس جون فيليبس قرب نافذة زجاجية، يدخن سيجارة تتلاشى بين أصابعه. بجواره جيتار يستند إلى الحائط. على الطاولة كوب شاي بارد، وجمل موسيقية مبعثرة. وقفت ميشيل أمام المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية. كانت تنظر إلى اللهب، لكن عينيها بدتا مشغولتين بشيء بعيد. قالت: «تدري، أنا مشتاقة إلى الشمس». التفت إليها: «الشمس؟ احلمي يا ميمي، الشمس هنا نقرأ عنها في الجرائد!». ابتسمت، لكنها لم تضحك. اقتربت من النافذة ونظرت إلى الشارع. «كاليفورنيا..»، قالت. راقب انعكاس وجهها على الزجاج. كان يعرف هذا الحنين الذي يلوح في عينيها. أردفت: «كان كل يومٍ هناك يشبه وعدًا بالدفء. كل شيء هنا رمادي، حتى صوتي». جلس على الكرسي، وتشبّث بجيتاره، وبدأ يعزف لحنًا بسيطًا، يدور في رأسه منذ أيام، شيئًا بين الصراخ والحنين. كان جون وزوجته ميشيل قد قدما إلى نيويورك بحثًا عن الفرص. سألها وهو يعزف: «كيف كنتِ تشعرين عندما كنتِ هناك.. في كاليفورنيا...