قد يحتار الإنسان يوم عيد ميلاده. أيحتفل به أم يمرّ عليه بصمت؟ خاصة عندما يشعر باقتراب الأبوكاليبس، أو نهاية الحياة على الأرض. أو حين تتسلل إلى عقله تلك الأفكار عند اقترابه من الموت.
كان الشيخ جالسًا على كرسي في المطبخ، يتأمل زوجته التي
كانت تُحضّر القهوة بتركيز ونشاط. فكّر أن الوقت قد طال عليها لتبدو بهذا الشكل.
وماذا عنه هو، الذي تدلّى لغده وسقط شعره تمامًا!
66 عاما مرت منذ مولده، في يناير 2017. بدا له أن
الاحتفال بعام آخر من الوجود البشري أمرًا محزنًا. لم يكن أحد يعرف إن كان سيشهد
عيد ميلاده القادم. إن لم يفعل، فلن يخسر العالم شيئًا. وإن فعل، سوف يؤكد
الاحتفال أن العام لم يذهب سدى، وأن الحياة لا تزال باقية، رغم كل شيء.
مرّ شريط من الذكريات في ذهنه وتذكر كل تلك الزلازل
والأوبئة والحرب التي قصفت النسيج الزجاجي الذي كان يحمي المدينة. كان الانسان
فيما قبل يعيش بين نعيم التكنولوجيا.. الروبوتات، الانترنت الحر، النظارات
الرقمية، والأقمار الصناعية، وقنوات الأخبار.. كل هذا اختفى. أصبح ذكرى بعيدة كصور
من عالم أخر.
سكبت المرأة فنجاني قهوة، ثم نظرت إلى زوجها الشارد الذهن. انحنت لتنظر في عينيه، ابتسمت، ثم فتحت ذراعيها وعانقته. أحضرت له القهوة، وقبل أن تُعطيه إياها، همست: "عيد ميلاد سعيد". ابتسم لها الرجل، الذي أصبح قارئ شفاه منذ أن فقد سمعه بعد إصابته بالجائحة الكبرى كغيره من البشر، وضمّ وجهها بين يديه، وقبّل شفتيها، وتمتم ببضع كلمات شكر ومحبة. ربتت على كتفه، وجلست على كرسي بجانبه، وارتشفت قهوتها بابتسامة لا تخفي حيرتها. لم تقرأ كل ما قاله، لكن لم يكن مهمًا. ربما لم يأتِ عيد ميلاده بعد، أو ربما الزمن نفسه قد توقف منذ زمن بعيد.
تعليقات