التخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبيعتيهما

 


نستسلم نحن الرجال للطبيعة، فنكتشف كنز الحياة الدفين في أبعد حدودها وأعمق نقاطها. هناك... في قلب امرأة.

كانت الزهور على المقعد المجاور لقائدة السيارة تتعجب سرًّا طوال الرحلة. هي سيدة القلق والأحلام البعيدة التي قطعت الطرق من حيفا إلى بيروت في يوم ممطر، كعادة حظها. وعدد الكيلومترات قلّ تدريجيًّا على نحو مرعب، بات صعبًا معه إيقاف تدفق العبرات الذي خدش أعصابها.

توقفت بجانب الطريق وانكفأت على المقود. فكرت في العودة، لكنها تخيلت مدى صعوبة الاعتذار في الهاتف. لمحت سيارة شرطة في المرآة، فجففت دموعها وتمالكت أعصابها. فكرت أنه بالقليل من الهدوء يمكن النجاة، فأدارت السيارة وانطلقت.

وفي حانة قديمة ببيروت، كان رحّالة ينتظر إعصارًا يقطع البحر إلى قلبه، ليقتلع جذور الحزن ويكنس الماضي في طريقه إلى المحيط.

كانت الأمواج تعلو أمامه في كأس النبيذ، موشكة على إغراق المكان، فانشغل عنها بتوزيع انتباهه بين عقارب الساعة والأمطار المنسدلة على زجاج النافذة. كان يغالب التوتر بإقناع نفسه أنه سيراها تعبر أمامه.

وكانت خطواتها تتسابق نحو نهاية الشارع المنحدر حيث الحانة. تسمرت أمام نظرته المندهشة خلف الزجاج. مصابيح الكيروسين الهادئة في الداخل مغرية بالدفء، والأمطار المتراخية في الشارع موحية بالبكاء.

حاولت صرف الدموع بعيدًا. وحاول استيعاب رؤيتها مرة جديدة. أسرعت نحو باب الحانة، فأدهشها باندفاعه خارجًا. كانت تحمل مظلة وتحتضن بيدها الأخرى باقة زهور. تقدم نحوها ليحمل عنها المظلة، ثم احتضنها.

فسقطت آخر خطوط المقاومة... وبكت.

وبكى هو أيضًا.

ببطء سارت خلفه إلى الطاولة، محاولة فهم أي شيء وسط تلك المشاعر المتشابكة. شعرت أنها تحارب نباتات مفترسة في غابة. فتمردت على تلك الحالة وخلعت معطفها مع تلك الأفكار.

ساد الصمت برهة، فقطعته بنصف ابتسامة وقالت:

– كيف حال سندباد؟

– سندباد البحري.

– سندباد البحري، بلى... كانت رحلة قصيرة للغاية. تسع سنوات فقط!

– لم أستطع العودة حتى وقت قريب.

– يبدو أنها كانت جميلة لدرجة تستحق.

شعر أنها تود سؤاله، وشعرت أنها تدفعه ليخبرها، فأردفت:

– الرحلة... ألم تكن جميلة؟

حدق في عينيها، وتكلم ببطء ليؤكد ما يقول:

– حسنًا. لقد عرفت الكثير من النساء... لو كان هذا ما ترغبين في معرفته.

فسألته باهتمام:

– ما الذي جعلك تعتقد هذا؟

– يا للنساء!

– لقد صرت حكيمًا وتعرف عن النساء... رائع!

– صدقيني، اكتشاف النجوم السوداء أسهل من معرفة ما تفكر فيه إحداكن... لكن لا بأس بقليل من التكهن.

تبددت ملامح التركيز من وجهها وقالت:

– أرى أنك عرفت الكثير بالفعل، ولكن لم تعرف واحدة مختلفة.

– ألا أبدو سعيدًا؟

– ليس للأمر علاقة بكونك سعيدًا أو غير سعيد، بل لأنك لم تعرف بعد من تغيّرك. ما زلت كما أعرفك.

– وكأنني لم أتعلم من آلام التجارب...

أحست بنظراته تود الإفصاح، لكنه ألصق عينيه بالنافذة للحظات، ثم قال بهدوء:

– ما زلت أشتاق إلى الاستيقاظ بجوارك.


تذكرت يومًا... في الحانة نفسها منذ تسع سنوات. كان النبيذ أحلى لولا مرارة الشتاء. وكان هو رجل الجوزاء بكل صراعاته الداخلية، حميميًّا كفيضان أقوى من كل السدود.

قاومت بشدة فكرة رحلاته التي يتحول معها الوطن إلى استراحة. وهي سيدة الجذور والوطن المسلوب. تلعثمت ولم تعرف إلى أين هربت الكلمات. فبقيت معه على الطاولة، قريبة وبعيدة. تتمنى لو تختزن دفء مودته، وتتألم لأنها لا تستطيع التوقف.

أما هو فيذكر ورقة كانت بجواره في الفراش. وجدها في الصباح التالي، فقرأها مرارًا، علّ التكرار يجعله أكثر قدرة على استيعاب كلماتها:

«بقاؤك معي لا يعني دائمًا حبك لي... قد يكون حبًّا لذاتك».


قالت بمرارة:

– لن تغفر لي... أثق بهذا تمامًا.

– لا تعلمين الكثير عن قلبي. إنه قلب أضعفته قسوة الحياة، فبات يحترف الغفران... لكن النسيان أمره مختلف.

– كان الهرب أفضل من قلب محطم.

– بل كان أسهل... انظري ماذا تركتِ خلفك... لقد ربحتِ باقتدار.

– بربك، لسنا في مباراة.

– تختارين الفوز، ثم تقررين أننا لسنا في مباراة. بربك أنتِ... بقاؤك معي لا يعني دائمًا حبك لي... وما المشكلة إذا كان الأمر كذلك؟ فما كانت ذاتي إلا أنتِ... ألم يكن واضحًا؟

– لا تعرف يا رجل حال امرأة خائفة وسعيدة في آن واحد. ماذا يمكن أن تفعله امرأة عاشقة لا تملك الكثير لتمنحه؟ المغامرات كالنار، بحاجة إلى وقود دائم... لم تكن سوى جولة أخرى على أي حال.

– كتلك التي نخوضها الآن؟

– لا عليك... لا أملك رغبة الفوز هذه المرة.

– هذا لا يرضي غروري.

– ماذا تريد إذن؟

– مباراة عادلة... بلا استسلام.

– لك هذا.

– لن تكون هناك فرصة للفوز. أؤكد لك.

– لماذا لا تخبرني إذن عما أعددته لي من حيل الرجال؟

– بل بعض من حيل الشيوخ. عشاء خفيف، وربما يمتد الأمر لإغوائك.

– أفتقد مرحك كثيرًا. انظر يا صديقي... العالم يتقلص فلا يبقى منه سوى هذه الطاولة... والمخلوقات تختفي فنبقى أنا وأنت فقط... وفرحة النظر إلى وجهك مجددًا... كأنني كنت أحيا انتظارًا لتلك اللحظة. الآن فقط عرفت كم فاتني.

– ليس بهذه السهولة... فهناك حسابات يجب تصفيتها أولًا.

– لقد أحضرت لك زهورًا من حيفا... ألا يكفي ذلك لعقد معاهدة صلح؟

– لا أرى سوى امرأة تمارس حيلة جداتها... هذا لا يكفي بالطبع.

– عجيب هو أمر الرجل... لِمَ لا يستسلم لامرأة تحتال عليه طالما كان هدفها هو قلبه فقط؟!

– نحن الرجال لا نستسلم أبدًا. بل نمنح الفرصة للطبيعة... كي تلعب دورها.

يبسط لها كفه. تلمح هي ابتسامته، فتلمس أصابعه بحذر. يبتسم لها أكثر، فترحل أناملها فوق خطوط كفه. يميل إليها قائلًا:

– أعتقد أن المعاهدة بحاجة إلى توقيع.

فتبادر قائلة:

– نعم... لِمَ لا نكمل زجاجة النبيذ في مكان آخر؟


يظن من يراه أنه تعس. نظرته تشي بهذا، والأمر لا يحتاج إلى عناء التفكير.

له حكايات بعدد الموانئ، كلها بدأت بامرأة كريمة تمنحه القدر المناسب من الشفقة...

لكن... لم يزل يشتاق إلى سيدة حيفا.

أناملها الطرية ذات اللمسة المداعبة على صدره المعشوشب، أو حقل الشعير كما تدعوه...

حرارة أنفاسها... كم دغدغت أذنه مرات ومرات!

هي التي ألهبت وجنتيه في ليلة تساقط فيها الجليد. بين يديها شعر برجولته المطلقة كحرارة أغسطس... هي وحدها سيدة حواسه. ما المفترض بعد كل ذلك؟

لم يعد حرًّا. أصابه التمرد... هذا الداء الذكوري، خرج فجأة من ظلمة العقل مع اكتشافه الحقيقة التي يخشاها الرجال. لم يعد مالكًا لقلبه، وليس هذا فحسب، لا يستطيع المضي قدمًا دون تلك الطاقة التي تمنحها له.

تمرد على سخطها الأنثوي بعدما فقد إحساسه بلمستها.

أنكرت طبيعته فأنكر طبيعتها. متعادلان، لكن في الخسارة.

الحب الذي ضاع قد ترك بصمته كالوشم على وجهه. مرسومة في عينيه. مؤلمة لأحشائه التي أفسدها الكحول.

وحده البحر يتسع لكل آلامه. راح يقطع الطرق ما بين مضايقه وخلجانه. يرسو هنا وهناك لأيام. يقابل امرأة قد تعوضه غياب الحب.

في قلب المحيط، في وجه الرياح، وقف يصرخ ويعربد.

شرب حتى غاب عن الوعي. وعندما استيقظ، كان قرار العودة يداعب خياله.

أما سيدة القلاع والحصون القابعة في حيفا،

فراحت تحلم برائحة أنفاسه الشبيهة بالسمسم المحمص، وطعم الدراق في شفتيه.

لعنت الحب، والزواج، والأطفال، والعيشة. ثم عادت تلعن شطحاتها حال أن رأت طفليها يلهوان حول المنضدة.

أخرجت من صدرها البرقية وقرأتها للمرة السابعة:

«حانة متروبوليتان. يوم الجمعة. سأنتظر حتى منتصف الليل».

هي الآن مضطرة لاختلاق المشاكل حتى الجمعة. ستفتعل أي موقف يستدعي الهروب. هكذا يبدو الأمر منطقيًّا لزوجها.

حانة متروبوليتان، وتلك اللحظات المختزنة في جدران القلب... ستعود مرة أخرى.

الأمر يحتاج إلى المجازفة إذن.


الشتاء يستدعي الأحلام والعمر الهارب.

الأيام العتيقة تعود كالقطارات. تمر بمحطات مهجورة... ولا تتوقف.

الجروح المندملة تتفتق وتنزف ذكريات لا تنتهي.

سألته:

– خمّن من أين قطفت لك الزهور؟

– من طريق المدرسة؟

– لماذا اخترت طريق المدرسة؟

– ربما لأنك تسألين... نعم، ما زلت أذكر.

عبر نافذة الحانة ارتسمت خطوط وتلونت. شارع طويل وأطفال يحملون الحقائب والمظلات. الكل يركض ويمرح... فيما عدا اثنين يمشيان ببطء... يتحدثان بهمس. هو يحمل حقيبتين، وهي تخفي الوردة في مريول المدرسة...

– كنت صغيرة، أخجل من نحافتي وأتمنى لو تركتني أمي بلا ضفائر بلهاء... فقط لكي ألمح نظرة إعجاب في عينيك. في طريق المدرسة كنت تقطف لي زهرة قرنفل وتحمل عني حقيبتي. مثل أي طفلة... كنت أحلم بصديقي فارسًا يبقى جواري ليحمل عني هموم الحياة. وكنت أحب نظرة الغيرة في عينيك... كنت تغار... تغار وتقطف لي زهرة... اليوم أنا من يقطف وينتظر كلمة عابرة... كيف وصلنا إلى هنا؟

– بل قولي كيف انتهى وجودنا معًا ولم ينتهِ الحب... تعلمين أن هناك من يحيا مريضًا... يعني مرضًا مزمنًا كالسرطان، لكنه يحيا بأي حال... وأنا اعتبرت الحب مرضًا لا شفاء منه... أحيا ولا أنتظر غدًا أبدًا.

– يا الله... هل صرنا نكافح الحب لكي نحيا؟

– هربنا... كلٌّ بطريقته. البحر أو الزواج... لا يهم. تباعدنا كالغرباء، وقد كان بيننا حبٌّ كالشمس.

– بلى... غابت الشمس وافترقنا... لكنها عادت ولم نعد نحن. لا أنا أنا ولا أنت أنت.

– الربوة التي حلمنا فوقها لسنوات بسفينة تحملنا إلى آخر الأرض... أتيت إليها في يوم حار... أذكر أنه يوليو، وأذكر أن بداخلي كانت أمنية... أن تكوني هناك... كان الغضب كالظلام وكل خطوة حماقة. فكرت كيف تحملني سفينة دونك... ظننت أن البحر ملجأ النسيان. لا نسيت ولا كان البحر ملجأً.

فوق الطاولة تتزاحم الموانئ والمدن. عندما قررا المضي، كلٌّ في طريق، كلٌّ وحده... كان كل شيء جديدًا... موحشًا.


القاهرة، 2009

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“من القرد إلى الكافيه: خواطر عن كيف قادتنا نظرية التطور إلى لاتيه بميلك ألتيرنتف!”

عارف داروين؟ داروين؟ أيوة الراجل ده اللي بيطلع في كل نقاش عن أصل الإنسان، اللي مهما كنت مش فاهم نظريته، لازم تكُسّمه عشان تكسب النقاش. ليه؟ لأنه داروين، والنظريات ممكن تكون بلح، خصوصًا لو نظرية بتقول إن القرد ممكن يكتبلك البوست ده. الراجل كان قاعد تحت شجرة في القرن الـ 19، وبيفكر: “هو ليه القرود بنت الوسخة مكانتش جدعان زي البني آدمين، وتيجي تسلم عليّ بدل ما تقعد ترمي موز؟”. وراح قايل: “الدنيا دي بتمشي بنظرية، ومش أي نظرية، دي نظرية النشوء والارتقاء”. بس إحنا، عشان نبسطها، هنقول عليها نظرية النشوق. والنشوق هو مسحوق الطبيعة اللي بيسلك المناخير والنغاشيش. النشوق: التغيير اللي بيفتح المناخير “النشوق” هو مسحوق الحياة، اللي كل ما تشمه يحرق دماغك، ويخليك تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” الطبيعي إن حياتنا عبارة عن سلسلة تطورات ما بين النجاح، الفشل، والحياة وهي بتدوس على وشك بسن الكعب. داروين زمان قالك الكائنات بتتغير عشان تعيش، بس اللي ما قالوش إن التغيير ده بيبدأ من أول “شمة النشوق”، اللي بتخلّيك تفهم إنك لو فضلت ثابت، هتتحوّل لتمثال جنب الحيط. كل حاجة بتتغير.. حتى النغاشيش زمان كان ف...

حبك سفاح والمأزق الفكري

  من كام سنة، الدنيا قامت وما قعدتش لما السوري محمد الموسى، اللي تم وصفه بالـ”هجام”، دخل فيلا نانسي عجرم واتقتل على يد زوجها الدكتور فادي الهاشم. الإعلام كان مليان تحليلات وأسئلة. هل الموسى كان فعلاً مجرمًا؟ هل الموضوع مجرد دفاع عن النفس؟ ولا فيه حاجة تانية مستخبية؟ فادي الهاشم قال إنه كان بيدافع عن عيلته. ونانسي طبعًا وقفت جنبه، بكل قواها. المشهد كان أقرب لفيلم أكشن عربي قديم، وفي وسط الزحمة الإعلامية، طلعت فكرة الأغنية اللي بقت رمز للدفاع المستميت عن الحب مهما كانت التبعات.  “حبك سفاح” مش مجرد أغنية، لكنها فكرة بتجسد حالة من الجدل. الحب اللي بيتلون، اللي بييجي مع تواطؤ. الحب اللي يخليك تعمل أي حاجة عشان تحمي اللي بتحبه، حتى لو ده معناه تدخل منطقة رمادية أخلاقيًا. والأغنية في السياق ده بتلعب على الوتر الحساس: إزاي الحب يتداخل مع العنف؟ وهل ممكن تحب حد لدرجة إنك تبرر أفعاله مهما كانت؟  الأغنية دي بتخليني احس انها وصف للواقع الحالي، تحولنا لمجرد إرهابيين في نظر بعض، كلنا بنغنيها على حسب البطل (أو السفاح) بتاعنا، ولأني ضد اسرائيل ده بيحسسني اني في مأزق وجودي مع بتوع البوليت...

حفلة الشاي المجنونة

  ثم شعر صانع القبعات بالملل يتسرب لحفل الشاي.. هيا نقف فوق الكراسي، سنلعب لعبة، قال، ثم صعد فوق الكرسي. اهو من اللائق أن نقف فوق الكراسي؟ سألت أليس  أهو من اللائق أن تنضمي لحفلتنا دون دعوة؟ سأل الأرنب الرمادي  سألت أليس: ما هي مناسبة هذا الحفل؟ لو كان لي أن أعرف! قال الأرنب الرمادي "الحفل بمناسبة أنه لا يوجد مناسبة" " جميعكم فوق الكراسي، الآن" قال صانع القبعات  قفز الأرنب الرمادي واقفاً فوق الكرسي، تبعتهم أليس كالمسرنمة. حاول الفأر الخروج من إبريق الشاي لكنه سقط عائداً. التقطه الأرنب الرمادي ووضعه فوق كرسي ضئيل يتوسط المائدة. حاول الفأر أن يتوازن لكنه سقط على وجهه!  "الآن" صاح صانع القبعات.  صاحوا جميعاً: دخل إيدك جوه، طلع إيدك بره، هزها شوية، نط تلات نطات.  سقط الفأر على رأسه مغشياً عليه. سقطوا جميعاً محدثين جلبة!  قالت أليس "لنلعب لعبة أخرى"  قال صانع القبعات" لا، لا، سوف نلعب لعبة أخرى" قالت أليس " هذا ما قلته للتو يا سيد"  "من سيد؟ لا يوجد هنا سيد" قال الفأر ثم تلعثم وسقط نائماً  "هيا، س...

راديو كايرو - فصل ثاني

صباح الخير تقول ملكة الروك تينا ترنر في أغنيتها الأوفر ريتد «ما دخل الحب في هذا؟»: يجب أن تفهم أنه حتى لو تفاعل نبضي مع لمسة يدك، فهي مجرد قشعريرة، ولد يقابل بنتًا، إنجذاب الأضداد، إنه أمر بدني، منطق بحت، حاول جديًا إنكار أي معنى أبعد من ذلك. بتلك الثورية المادية أعلنت تينا، في مرحلة عمرية متقدمة، أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي محض علاقة فسيولوجية بيولوجية، أساسها قطبان مختلفان. فالبشر مثل أقطاب المغناطيس، من اختلف منها ائتلف. إنها تبحث عن علاقة مستقرة ماديًا، ليس أكثر؛ هي التي وهبت الكثير من سنوات العمر للحب، كما سردت في الأوتوبيوجرافي الشهير «أنا، تينا». عاشت تينا في ظل الأسطورة آيك ترنر منذ أن اكتشف صوتها -عندما كان اسمها لم يزل آنا ماي- والذي سيُعد لاحقًا مكسبًا تاريخيًا للروك. لا يمكن الجزم بأيهما قد منح الثاني أكثر. آيك حقق حلمها ودربها كثيرًا، ثم انطلق بها فصارت مشهورة بلمح البصر، في وجود أساطير أخرى مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، أو حتى جانيس جوبلن وديانا روس. وتينا، بدورها، كشفت بسخاء عن ساقيها، وارتدت قصار الفساتين المشرشبة، ورقصت كما لم ترقص مطربة في عصرها، فأضافت بذل...

راديو كايرو - فصل رابع

  تحت شجر المشمش كبارية كوباكابانا، حي عابدين. جلست دانييلا وروز وزيزي قبالة علي وأحمد، الذي ألقى على مسامعهم مانيفستو التوسعية والإمبريالية: «بخلاف المعنى المتداول لكلمة سياسة، ما هي السياسة؟ دعوني أقول إنها ابتكار بديل لتحرك الجيوش، أو فرض الهيمنة بشكل دبلوماسي رقيق تتقبله الحكومات عوضًا عن سفك الدماء. ولكي تستطيع فرض هيمنتك، لا بد، ومن كل بد، أن تملك القوة، والتي يمكن أن نحددها بامتلاك جيش كبير، ليس فقط في العدد وإنما في العتاد أيضًا، كأن يكون لديك أقوى سلاح. ومن ثم تتحرك لتضع يدك على منافذ الطاقة لتقطعها عن أعدائك متى تشاء، لينهار اقتصادهم، فتغرقهم بسلعك. وهنا نتطرق إلى السياسة الاقتصادية للعملة، أو بما معناه أن تحيط نفسك بأكبر كم من الذهب والبترول والقمح وخلافه». كانت دانييلا تترجم ما يقوله إلى زيزي، التي فغرت فاها ثم رقعت ضحكة خليعة، تنبّه لها رواد الكباريه. — الرقاصة فين؟ قال علي. — بعد الساعة تسعة. قالت زيزي قبل أن تنهض. تقدمت نحو المطربة. تقلصت بطنها إلى الداخل، وارتسمت نظرة الألم على وجهها. زفرة ناي ناعمة فردت عودها. مالت بخصرها يسارًا، فسقط بعض الهموم عن كتفها الأيمن، ...