خواطر في الشعر وحدود اللغة
لفت انتباهي، وسط الحديث عن الشاعرة الكندية آن كارسون وجائزة نوبل في الأدب، أن اسمها لم يكن مألوفًا لدى البعض، رغم أن تجربتها الأدبية تمتد لعقود طويلة. ولها بعض الأعمال المترجمة إلى العربية، لكن الأمر لم يدفعني إلى التعجب من الآخرين بقدر ما جعلني ألتفت إلى نفسي: كم شاعرًا مهمًا لم أصل إلى صوته بعد؟ وكم اسمًا يعرفه قراء آخرون، بينما لم أسمع به قط؟
استعنت بجوجل. أردت ببساطة أن أتعرف إلى أسماء ربما فاتتني. كان سؤالي بسيطًا في ظاهره: من أبرز الشعراء الأحياء في العالم؟
لكن الإجابات قادتني إلى أسئلة أخرى. ما الذي يصنع عظمة الشاعر؟ الجوائز أم التأثير أم الانتشار؟ وهل يمكن أن يكون هناك شاعر أعظم من الأسماء التي تتصدر قوائم البحث، لكنه لم يحظَ بالشهرة نفسها؟
ثم ظهرت معضلة أكثر تعقيدًا: كيف أحكم على شعر لا أعرف لغته؟
لديّ شك قديم في الترجمة، وأتعامل معها أحيانًا بوصفها متهمًا حتى تثبت إدانته، في مخالفة صريحة لأبسط المبادئ القانونية. والأسوأ أنني قاضٍ لا يستطيع الاطلاع على أدلة القضية، لأنني لا أعرف البولندية ولا الروسية ولا الفارسية.
وحتى عندما أتنقل بين لغتين أعرفهما، أشعر أحيانًا أن شيئًا مما أحبّه في العبارة يفلت من يدي. ولم تكن تلك سوى بداية.
تُذكر أسماء مثل آن كارسون وجوري جراهام وكلوديا رانكين وجوي هارجو بين الأصوات المؤثرة في الشعر المعاصر المكتوب بالإنجليزية. لكن أهمية كل واحدة منهن تقوم على تجربة مختلفة.
تمزج آن كارسون الشعر بالفلسفة والسرد والتأمل الأدبي. وتكتب جوري جراهام عن الزمن والوعي والإدراك، بينما تتناول كلوديا رانكين العنصرية والهوية والذاكرة الجماعية، وتستحضر جوي هارجو تاريخ السكان الأصليين لأمريكا وتجاربهم الثقافية. ويصعب ترتيب هذه التجارب وفق معيار واحد، لأن أهمية الشاعر لا تنشأ دائمًا من المصدر نفسه.
قد تنبع أهمية الشاعر من قدرته على التعبير عن تجربة إنسانية لم تجد من يمنحها صوتًا. شاعر سوري يكتب عن السجون والقمع، أو شاعر فلسطيني يكتب عن المنفى وفقدان الأرض، قد يكتسب أهمية استثنائية داخل مجتمعه، حتى لو لم يعرفه أحد خارج حدود بلاده. لكن القضية التي يتناولها الشاعر، مهما بلغت عدالتها أو أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة قصيدة عظيمة. فالشعر ليس بيانًا سياسيًا موزونًا، ولا تتحول المعاناة إلى فن بمجرد وضعها في أسطر قصيرة.
لقد استطاع محمود درويش، مثلًا، أن يجعل التجربة الفلسطينية تتجاوز حدودها الجغرافية. لم تعد الأرض في شعره مجرد أرض محتلة، وإنما أصبحت صورة للذاكرة والحب والغياب والهوية. وهكذا يمكن للقارئ الذي لم يزر فلسطين أن يجد شيئًا من حياته الشخصية داخل قصيدة كُتبت عن مكان لا يعرفه. وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: قد يكون الشعر عظيمًا لأنه يتجاوز حدوده المحلية، لكن تجاوز تلك الحدود لا يمثل وحده دليلًا على عظمته.
قد ترتفع قيمة لوحة ارتفاعًا هائلًا بمجرد إثبات أنها من أعمال بيكاسو أو فان جوخ. لا تتغير الألوان، ولا الخطوط، ولا المساحة التي تحتلها اللوحة. الشيء الوحيد الذي تغير هو معرفتنا باسم الفنان. والأمر لا يختلف تمامًا في الشعر. تخيلت قصيدة منشورة باسم شاعر حاصل على جائزة نوبل، ثم تخيلت القصيدة نفسها منشورة باسم مدرس مجهول في إحدى قرى الصعيد. من غير المرجح أن تحظى القصيدتان بالاهتمام النقدي نفسه. فاسم الشاعر الشهير لا يكتفي بتعريفنا بصاحب القصيدة؛ إنه يؤثر في توقعاتنا قبل أن نقرأ الكلمة الأولى. وقد نغفر للشاعر العظيم ما لا نغفره لشاعر مجهول. فإذا كتب الأول نصًا غامضًا، بحثنا عن فلسفته. وإذا كتب الثاني النص نفسه، ربما اتهمناه بالعجز عن التعبير. وهذه ليست دعوة إلى التشكيك في كل شاعر مشهور، وإنما إلى الانتباه إلى أن الشهرة قد تصبح جزءًا من عملية التقييم الجمالي. الأمر يشبه دخول معرض فني دون معرفة أسماء الرسامين. قد نتوقف طويلًا أمام لوحة مجهولة، ونعبر سريعًا أمام لوحة لفنان مشهور. لكن لو عُرضت الأسماء أولًا، ربما تغيرت رحلتنا داخل المعرض.
وفي كل بلد آلاف الشعراء المحليين الذين لم تتجاوز أعمالهم حدود مدنهم أو قراهم. بعضهم لم يجد ناشرًا، وبعضهم لم يمتلك العلاقات الثقافية اللازمة للظهور، وبعضهم كتب بلغة لا تحظى باهتمام مؤسسات النشر والترجمة العالمية. وقد تكون بينهم مواهب استثنائية لم تجد طريقها إلى القارئ. بالطبع، لا يعني ذلك أن كل شاعر مجهول عبقري مظلوم، لكن غياب الشهرة ليس دليلًا على غياب الموهبة، مثلما لا تمثل الشهرة شهادة نهائية على العبقرية.
وربما كان تاريخ الأدب الذي نعرفه تاريخًا لما وصل إلينا، وليس بالضرورة تاريخًا لأفضل ما كُتب.
حين نصف شاعرًا بأنه عالمي، فإننا نصف في جانب من الأمر مدى انتشار أعماله، لا قيمتها الفنية وحدها. قد تُترجم قصائد شاعر لأسباب سياسية أو ثقافية أو مؤسسية، دون أن تحقق حضورًا حقيقيًا لدى القراء. وفي المقابل، قد يكتب شاعر محلي قصائد بالغة الجمال لا يعرفها أحد خارج مجتمعه.
هناك فرق بين الانتشار والتأثير، وبين الاعتراف المؤسسي والقيمة الفنية. ولا تنشأ العالمية من موهبة الشاعر وحدها، بل من شبكة معقدة تضم المترجمين والناشرين والجوائز والمؤسسات الثقافية والظروف التاريخية. وقد تساعد لغة الشاعر نفسها على انتشاره، فالشاعر الذي يكتب بلغة واسعة التداول يتمتع بفرص وصول لا تتاح بالقدر نفسه لمن يكتب بلغة أقل انتشارًا. ولهذا لا يمكن اعتبار الشهرة العالمية مقياسًا محايدًا للعظمة. لكن العالمية تطرح مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا. فالشاعر الذي يكتب بلغته لا يختار الكلمات بمعانيها المعجمية وحدها. إنه يختار أصواتها وإيقاعاتها وإيحاءاتها، ويستدعي تاريخًا كاملًا من الاستعمالات الثقافية والعاطفية. وهذا كله لا يعبر الحدود بسهولة.
ليس كل شاعر عظيم شاعرًا عالميًا، وليس كل شاعر عالمي عظيمًا بالضرورة. فبعض الأعمال تنتشر لأنها أكثر قابلية للترجمة، أو لأن موضوعاتها مألوفة لجمهور واسع، أو لأنها تجد مؤسسات ثقافية قادرة على تقديمها إلى العالم. وقد تمتلك أعمال أخرى جمالًا لغويًا بالغ الخصوصية يجعل نقلها إلى لغة ثانية شديد الصعوبة. ومن الممكن، بهذا المعنى، أن تصبح قابلية النص للترجمة عاملًا في شهرته العالمية، دون أن تكون معيارًا لقيمته الفنية.
قد يكتب شاعر قصيدة تقوم على موسيقى الكلمات والتورية والعلاقات الدقيقة بين الأصوات، فتكون عظيمة في لغتها، لكنها تفقد معظم قوتها عند نقلها. بينما تنتقل قصيدة أخرى تعتمد على الصورة والفكرة والسرد بسهولة أكبر، وتحقق انتشارًا أوسع. ولا يعني ذلك أن القصيدة الثانية أقل جمالًا، وإنما أن نجاحها في السفر لا يثبت تفوقها على القصيدة الأولى. بل قد تكون القصيدة الأكثر التصاقًا بلغتها هي الأقل قدرة على مغادرتها. هنا تتكشف مفارقة تستحق الانتباه: نحن نميل إلى اعتبار الانتشار العالمي دليلًا على القيمة الأدبية، بينما قد يكون بعض ما يمنح الشعر قيمته هو بالضبط ما يمنعه من الانتشار. فالعالم لا يقرأ بالضرورة أفضل ما كتبته كل لغة، وإنما يقرأ ما استطاع الوصول إليه منها.
أقرأ ويتمان وكيتس وديلان توماس بالإنجليزية، وأستطيع أن أشعر بقوة اللغة التي يكتبون بها.
حين يبدأ ويتمان قصيدته «أغنية نفسي» بإعلان احتفائه بذاته، فإن قوة العبارة لا تكمن في معناها وحده، وإنما في نبرتها وإيقاعها واتساع النفس الشعري الذي ستقوم عليه القصيدة. يمكنني أن أنقل المعنى إلى العربية، وأن أقول إن الشاعر يحتفي بنفسه ويغنيها، لكنني لا أستطيع أن أضمن أن القارئ العربي سيشعر بما شعرت به عند قراءة النص الإنجليزي. والأمر نفسه مع كيتس. فالموسيقى الداخلية في شعره ليست زينة تضاف إلى المعنى؛ إنها جزء من الطريقة التي يتكون بها المعنى نفسه. وقد أستطيع أن أشرح لصديق لماذا أحب قصيدة معينة، وأن أحدثه عن صورها وأفكارها، لكنني أعجز عن نقل التجربة الجمالية التي جعلتني أحبها.
مفارقة: أعرف أن القصيدة جميلة، لكنني لا أستطيع إثبات جمالها لمن لا يعرف لغتها.
أما رامبو، فأقرأه مترجمًا إلى الإنجليزية أو العربية. أستطيع أن أُعجب بالصور والأفكار التي تصلني، لكنني لا أعرف على وجه الدقة ماذا فعل رامبو باللغة الفرنسية. وحين أحكم على جمال قصيدة مترجمة، فإن حكمي يتعلق بالضرورة بالنص الذي وصل إليّ، لا بالنص الأصلي الذي لم أقرأه. قد تكون التجربتان متقاربتين، وقد تختلفان اختلافًا كبيرًا، لكنني لا أملك وسيلة لمعرفة مقدار هذا الاختلاف.
لكن المشكلة لا تبدأ دائمًا عندما أقرأ لغة أجهلها. أحيانًا تبدأ من لغة أعرفها جيدًا، بل من عبارة عربية أفهمها دون أن أحتاج إلى التفكير في معناها.
خذ مثلًا عنوان «على قيد الحب» للشاعر حبيب السامر.
تقوم العبارة على استعارة التركيب المألوف «على قيد الحياة»، واستبدال الحب بالحياة. والمعنى هنا لا ينشأ من الكلمات وحدها، بل من العلاقة بين العنوان والتعبير الذي يستدعيه في ذهن القارئ العربي. يمكن ترجمة العنوان إلى الإنجليزية بصياغة قريبة من معنى البقاء في حالة حب، لكن ذلك لا يضمن استحضار التعبير الأصلي بالطريقة نفسها. فقد تصل فكرة الحب، بينما تضيع المفارقة التي جعلت العنوان جميلًا في العربية.
والأمر نفسه مع «في ذمة الورد» للشاعرة دعاء زيادة.
تستدعي العبارة تعبيرًا عربيًا شديد الألفة هو «في ذمة الله»، بما يحمله من دلالات الموت والرحيل والتسليم إلى رحمة الله. وحين تحل كلمة «الورد» محل لفظ الجلالة، تتولد صورة جديدة من العلاقة بين التعبير المألوف والانحراف عنه.
يمكن نقل الكلمات إلى الإنجليزية، لكن القارئ الإنجليزي لن يستحضر بالضرورة العبارة التي يستحضرها القارئ العربي. وهنا لا تكمن الصعوبة في افتقار الإنجليزية إلى المرونة أو القدرة على التعبير، بل في اختلاف المخزون الاصطلاحي والثقافي بين اللغتين. فاللغة ليست قاموسًا من الكلمات المتقابلة، وإنما شبكة من العلاقات بين الكلمات والتعبيرات والذكريات الجماعية. وكلما قامت الصورة الشعرية على هذه العلاقات، أصبحت ترجمتها أكثر تعقيدًا.
قد يبتكر المترجم عبارة إنجليزية أخرى تؤدي وظيفة مشابهة، لكنه عندئذ لن ينقل الكلمات نفسها، بل سيعيد بناء الأثر البلاغي باستخدام موارد لغته. وقد ينجح في ذلك، وربما يصنع صورة أجمل من الأصل. لكنه سيكون قد كتب شيئًا مختلفًا بالضرورة. وهذه هي المشكلة التي تجعل شكي في الترجمة مستمرًا، حتى عندما أعرف اللغتين: فأنا لا أعجز عن نقل المعنى دائمًا، وإنما أعجز أحيانًا عن نقل السبب الذي جعل العبارة جميلة.
حين نقرأ قصيدة «قطة في شقة فارغة» للشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا، نواجه تجربة الفقد من منظور قطة لا تفهم لماذا اختفى صاحبها. الفكرة مؤثرة، والمفارقة ذكية، والغياب الإنساني يصبح أكثر إيلامًا لأنه يُرى من خلال كائن لا يستطيع تفسير الموت. هذه التجربة يمكن أن تعبر اللغات. لكن الإيقاع البولندي، والاختيارات الدقيقة للكلمات، والعلاقات الصوتية التي لا يعرفها القارئ الأجنبي، تظل عناصر لا يمكن الحكم عليها من الترجمة وحدها.
ومع ذلك، ليس من العدل اعتبار القصيدة المترجمة مجرد بقايا مشوهة من الأصل.
فبعض الصور الشعرية تحتفظ بقوتها عبر اللغات، وبعض الأفكار تكتسب حياة جديدة، وبعض الترجمات تنجح في بناء جمال مختلف لا يقل تأثيرًا عن جمال النص الأصلي.
هنا سنقلب المسألة.
بدلًا من الاكتفاء بالحديث عما يفقده الشعر في الترجمة، ينبغي الانتباه أيضًا إلى ما يمكن أن يكتسبه خلالها.
قد تكون عبارة شعرية عادية نسبيًا في لغتها الأصلية، لكنها تتحول في لغة أخرى إلى صورة شديدة الجمال. ليس لأن اللغة الثانية أفضل من الأولى، وإنما لأن لكل لغة إمكاناتها الخاصة. فالعربية، مثلًا، تمتلك ثراءً اشتقاقيًا وإيقاعيًا وبلاغيًا يمكن أن يمنح بعض الصور أبعادًا مختلفة. والإنجليزية تمتلك بدورها إمكانات في التكثيف والإيقاع وتركيب العبارة قد تسمح لها بإعادة تشكيل الصورة العربية بطريقة جديدة.
وقد يحدث أن تصبح الترجمة أكثر جمالًا من الأصل في نظر قارئ يعرف اللغتين. في هذه الحالة، لا يعود جمال القصيدة منسوبًا إلى الشاعر وحده. فقد يكون المترجم قد أضاف إليها من موهبته ما جعلها أكثر تأثيرًا في اللغة الجديدة. وهذا لا يعني أن كل ترجمة حرة أفضل من الترجمة الأمينة، أو أن تغيير النص يمنحه قيمة إضافية تلقائيًا. فالترجمة قد تكون أمينة للمعنى، لكنها ضعيفة شعريًا. وقد تكون بعيدة نسبيًا عن الصياغة الأصلية، لكنها ناجحة بوصفها عملًا أدبيًا.
ثم تبدأ واحدة من أكثر المفارقات طرافة في تاريخ الشعر.
تخيل شاعرًا كتب قصيدة عظيمة، ثم وقعت في يد مترجم لم يتمكن من نقل جمالها. خرجت القصيدة إلى اللغة الجديدة ثقيلة، متعثرة، فاقدة لإيقاعها وصورها. قرأها الجمهور، وتساءل عن سبب شهرة صاحبها. في هذه الحالة، يمكن القول مجازًا إن المترجم ارتكب جريمة أدبية. لقد أساء تقديم الشاعر إلى قراء لا يستطيعون العودة إلى النص الأصلي للحكم بأنفسهم.
لكن تخيل الحالة المعاكسة.
قصيدة متوسطة القيمة تقع في يد مترجم موهوب، فيعيد بناءها بلغة أكثر جمالًا، ويمنحها صورًا وإيقاعًا لم يكونا موجودين بالقوة نفسها في الأصل. تنجح القصيدة، ويحتفي القراء بعبقرية الشاعر. أما المترجم، الذي صنع جانبًا كبيرًا من هذا النجاح، فيبقى اسمه مطبوعًا بحروف صغيرة على صفحة داخلية.
يصبح المترجم هو المجني عليه.
لقد صنع جزءًا من المجد، لكن المجد ذهب إلى شخص آخر. والمفارقة أن المترجم قد يُتهم بالخيانة في الحالتين. فإذا التزم بالحرفية وأنتج نصًا رديئًا، قيل إنه قتل الشعر. وإذا ابتعد عن الحرفية وكتب نصًا جميلًا، قيل إنه خان الشاعر.
يبدو أن المترجم متهم حتى تثبت إدانته.
لكن المثال الأكثر إثارة ربما نجده في رباعيات عمر الخيام، التي نقلها إدوارد فيتزجيرالد إلى الإنجليزية في القرن التاسع عشر. لم تكن نسخة فيتزجيرالد نقلًا حرفيًا للرباعيات الفارسية، بل عملًا شعريًا قائمًا على الانتقاء وإعادة الصياغة والتركيب. وقد اكتسبت هذه النسخة حياة أدبية مستقلة، وأسهمت إسهامًا هائلًا في شهرة الخيام لدى القراء الناطقين بالإنجليزية. وهنا يصعب الفصل بين الشاعرين. فالخيام الذي عرفه كثير من القراء الإنجليز ليس مطابقًا بالضرورة للخيام الذي يقرأه المتذوق للفارسية.
لقد منح فيتزجيرالد الخيام حياة جديدة، لكنه أعاد تشكيل صورته أيضًا. ويمكن النظر إلى نسخة فيتزجيرالد باعتبارها عملًا يقف في منطقة وسطى بين الترجمة وإعادة التأليف. ولكي تكتمل المفارقة، ينبغي ألا ننسى أن المترجم قد يكون ضحية لشاعر عظيم أيضًا. فقد يواجه نصًا تتداخل فيه الأصوات والمعاني والإيقاعات على نحو يستحيل نقله كاملًا. عندئذ، سيضطر إلى التضحية بشيء من أجل إنقاذ شيء آخر. وإذا جاءت الترجمة أقل جمالًا، فقد يكون السبب حدود اللغة نفسها، لا عجز المترجم وحده. وهكذا قد يتحول المترجم إلى متهم بجريمة لم يكن في وسعه منع وقوعها.
محاولتي في ترجمه «مقالة الزجاج» لآن كارسون جعلتني أفكر في هذه المسألة بطريقة مختلفة. فبعض العبارات الجسدية والجنسية الصريحة في القصيدة بدت لي صادمة في الإنجليزية، لكنها حين انتقلت إلى العربية اكتسبت أحيانًا طابعًا كوميديًا لم أشعر به بالطريقة نفسها في الأصل. لم يتغير المعنى الأساسي بالضرورة، لكن النبرة تغيرت. فالكلمة لا تحمل معناها وحده. إنها تحمل معها تاريخ استعمالها، ودرجة جرأتها في الثقافة التي تنتمي إليها، والعلاقات التي تقيمها مع الكلمات المحيطة بها. وقد تكون العبارة فجة في لغة، لكنها تبدو مضحكة في لغة أخرى، أو تصبح أكثر قسوة، أو تفقد جانبًا من غرابتها.
لا تكفي الأمانة المعجمية لضمان الأمانة الجمالية. فقد ينقل المترجم كل الكلمات تقريبًا، لكنه يعجز عن نقل الأثر الذي أحدثته. وقد يغيّر بعض الكلمات، فيقترب من ذلك الأثر أكثر. والمقارنة بين النصين قد تكشف جانبًا من نجاح الترجمة أو إخفاقها، لكنها لا تلغي دور الذائقة الشخصية في تحديد ما نعدّه نجاحًا.
أما القارئ الذي لا يعرف إلا اللغة المنقول إليها النص، فلا يملك إلا القصيدة التي وصلت إليه. وبالنسبة إليه، تلك هي القصيدة.
ولا تقف إشكالية الترجمة عند حدود الشعر، بل تمتد إلى الأدب كله، وإن اختلفت درجاتها.
فعندما أقرأ «مئة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز بالعربية، وأسمع عن الجمال الاستثنائي للغتها الإسبانية، أجد نفسي أمام سؤال لا أملك إجابته: هل قرأت الرواية التي قرأها الناقد الإسباني أو القارئ الذي يجيد لغة ماركيز؟ هل تذوقت جمالها كما تذوقه، أم أنني تذوقت جمالًا آخر صنعه المترجم؟
لا أشك بالضرورة في وصول الحكاية إليّ؛ فقد عرفت عائلة بوينديا، وتجولت في ماكوندو، وعشت غرائب ذلك العالم الذي تختلط فيه الأسطورة بالواقع. لكن الرواية ليست حكايتها وحدها. إنها أيضًا إيقاع الجمل، وطريقة بناء الصور، والمفردات التي يختارها الكاتب، والمسافات الدقيقة بين السخرية والمأساة. ولا يمكن افتراض أن هذه العناصر جميعًا انتقلت إلى العربية دون تغيير. فمن الممكن أن تكون بعض الجمل قد فقدت شيئًا من جمالها، بينما اكتسبت جمل أخرى جمالًا لم يكن موجودًا في الأصل.
قد أنتهي من الرواية مأخوذًا بروعة أسلوب ماركيز، وأكتب عنه مديحًا طويلًا، دون أن أكون قد قرأت جملة واحدة كتبها الرجل بلغته. وربما أكون قد أنصفت ماركيز فعلًا، وربما أنصفت مترجمه دون أن أدري. وقد يكون الاثنان جديرين بالمديح، لكنني لا أملك وسيلة للفصل بين نصيبيهما من هذا الجمال.
ولا يعني ذلك أن القارئ الذي لا يعرف الإسبانية عاجز عن تذوق الرواية، أو أن قراءته أقل شرعية من قراءة النص الأصلي. فالترجمة قادرة على تقديم تجربة أدبية مكتملة القيمة في لغتها الجديدة، لكنها ليست بالضرورة التجربة نفسها. ويتجاوز السؤال حدود الأمانة في نقل المعنى إلى منطقة أشد تعقيدًا: هل أحببت ماركيز للأسباب نفسها التي أحبّه من أجلها قراؤه بالإسبانية، أم أن الترجمة جعلتني أحب كاتبًا يشبه ماركيز دون أن يكون مطابقًا له تمامًا؟
تعود القضية الأولى بصورة مختلفة.
إذا كانت شهرة الشاعر تؤثر في تقييم قصائده، وكانت الترجمة تؤثر في القيمة الجمالية التي يتلقاها القارئ، فإن تحديد صاحب الفضل الحقيقي يصبح أكثر تعقيدًا.
قد يمنح اسم الشاعر العظيم قصيدة متوسطة اهتمامًا لا تستحقه، وقد تمنح براعة المترجم قصيدة متوسطة جمالًا لا تمتلكه في الأصل بالقدر نفسه. في الحالة الأولى، يصنع الاسم جانبًا من قيمة العمل. وفي الثانية، يصنع المترجم جانبًا من مجد الشاعر. ولا يعني ذلك أن القيمة الأدبية مجرد وهم تصنعه الشهرة أو الترجمة. فالقصائد ليست متساوية، والموهبة ليست اختراعًا مؤسسيًا، وهناك أعمال تمتلك من القوة والابتكار ما يبرر مكانتها. لكن الحكم على الشعر ليس منفصلًا عن الظروف التي يصل فيها إلينا. فنحن لا نقرأ الكلمات وحدها؛ نقرأ معها اسم صاحبها، وتاريخها، واللغة التي كُتبت بها، واللغة التي نُقلت إليها، وربما السمعة التي سبقتها إلى أذهاننا. ولهذا ينبغي التمييز بين عظمة الشاعر، وعظمة القصيدة، وعظمة التجربة التي يعيشها القارئ.
هذه أشياء متصلة، لكنها ليست شيئًا واحدًا.
ربما لا يستطيع الشعر مغادرة لغته الأصلية دون أن يترك شيئًا من نفسه وراءه. لكن ذلك لا يعني أنه يفقد حياته عندما يعبر الحدود.
قد يصل إلى اللغة الجديدة ناقصًا، وقد يصل مختلفًا، وقد يكتسب جمالًا لم يكن موجودًا بالطريقة نفسها في الأصل. وقد تكون الترجمة عملًا أدبيًا عظيمًا حتى حين لا تكون صورة مطابقة للعمل الذي انطلقت منه.
أما الشاعر العالمي، فربما لا تكون عالميته صفة خالصة لشعره، وإنما نتيجة لقاء معقد بين موهبته، ولغته، ومترجميه، وناشريه، وقرائه، والظروف التاريخية التي سمحت له بالوصول إلى العالم. وهذا لا ينتقص من عظمته، لكنه يجعلها أكثر تعقيدًا مما توحي به قوائم أفضل الشعراء. ففي مكان ما، ربما يجلس شاعر مجهول يكتب قصيدة عظيمة بلغة لن أتعلمها أبدًا. وربما لن تُترجم قصيدته، ولن تصل إلى قارئ خارج حدود مدينته، ولن يعرف العالم شيئًا عن وجوده. وفي مكان آخر، يحتفي آلاف القراء بقصيدة لشاعر مشهور، دون أن يدركوا أن جانبًا من جمالها الذي أحبوه يعود إلى مترجم لم يتذكروا اسمه.
وربما كانت المفارقة الأخيرة أنني، حين أقرأ قصيدة مترجمة وأتأثر بها، لا أستطيع دائمًا أن أحدد لمن أدين بهذا التأثر. للشاعر الذي كتبها، أم للمترجم الذي أعاد خلقها، أم للغة التي منحتها حياة أخرى؟
وربما لا تكون المشكلة في أن الشعر يفقد شيئًا عندما يعبر حدود اللغة، بل في اعتقادنا أنه ينبغي أن يصل إلى الضفة الأخرى كما غادر الأولى. فالشعر لا يسافر بين اللغات كما تسافر الرسائل في البريد. إنه يتغير أثناء الرحلة. وقد يصل شاعرًا آخر، أو قصيدة أخرى، أو جمالًا لم يكن أحد يتوقعه.

تعليقات